الفريق السيسي: بين الرمز .. والأسطورة!!

  • الأربعاء 2013-08-21 - الساعة 08:59
 
ما إن تناقلت مواقع الاتصال الاجتماعي ووسائل الإعلام المصرية صورة للمشير طنطاوي، رئيس المجلس العسكري وهو يتجول في شوارع العاصمة المصرية قبل حوالي عامين بالملابس المدنية، حتى أثيرت العديد من التحليلات والتكهنات، في مجموعها توصلت الى ان المشير، يطمح في استمرار حكم "العسكر" او على الأقل، فإنه مصر على ترشيح نفسه للانتخابات الرئاسية القادمة، رغم ان المجلس العسكري كان قد تعهد بتسليم السلطة الى حكم مدني مؤكداً عدم طموحه في السلطة .. وقد تبين فيما بعد، ان المجلس العسكري لم يكن طامعاً في السلطة، وسلمها فعلاً الى رئاسة منتخبة .. رغم كل ما اعترى ذلك من ملاحظات.
 
اليوم، تكاد الصورة تتكرر، مع القائد العام للقوات المسلحة الفريق عبد الفتاح السيسي، الذي اكتسب منذ الثلاثين من يونيو / حزيران الماضي شعبية طاغية من قبل ملايين الشعب المصري التي رأت فيه "خشبة الخلاص" من حكم فاشل فردي ومستبد، ونجاح معركته ضد حكم الجماعة التي سرقت الثورة ثم تسلطت على الحكم، ويوماً بعد يوم، تزداد شعبية السيسي بسبب انكشاف الدور الأمني العسكري للجماعة وحزبها "السياسي" بعد ان خاضت هذه الجماعة بالحديد والنار معركتها ضد الشعب المصري، وظهر وكأن الخلاص من هذه الكارثة غير ممكن لولا هذه القيامة الحكيمة والشجاعة التي وضعت نفسها خادمة لتطلعات الشعب المصري.
ومرة أخرى، تتضاعف شعبية السيسي، ومن حيث لا يدري احد، بعد ان وقفت الولايات المتحدة وأنصارها في أوروبا، الى جانب الجماعة واتخذت خطوات من شأنها مساندة شرعية الإرهاب، بعد ان تبين ان الفريق السيسي، لم يستمع الى نصائح إدارة أوباما، وبعد ان أظهرت القوات المسلحة المصرية ان زمن التبعية للخارج قد انتهى الى غير رجعة، وان الجهة الوحيدة التي تلتزم بإدارتها هي الشعب المصري ولا احد سواه، وان إفشال تدويل الأزمة من خلال استجداء "الجماعة" نصرة الغرب بقيادة الولايات المتحدة، يقع على عاتق المجلس العسكري بقيادة السيسي الذي اوكل له الشعب المصري التصدي لكل محاولات التدخل الخارجي.
وبسبب ذلك كله، تصدر بين وقت وآخر، بعض التحليلات والتفوهات التي تشير ضمنا او صراحة، الى ان السيسي يهيئ نفسه للترشح للرئاسة المصرية، وسائل الأعلام الأميركية والغربية عموماً، رسمت عبر مقالات وتحليلات الطريق المفتوح امام وصول السيسي الى الرئاسة، في اية انتخابات رئاسية قادمة، نظراً لشعبيته الغامرة، لكن السيسي في خطابه الأخير، حاول بنجاح الرد على هذه التكهنات بالقول ان خدمة الشعب أهم من اي رئاسة، في إشارة واضحة، الى ان ليس له أطماع في الترشح للرئاسة، مع ان ذلك من حقه كمواطن، بعد ما يترك السلك العسكري، وهي تطمينات كان لا بد منها لكبح سيل التحليلات التي أرادت تحويل السيسي من بطل قوي الى مجرد طامع في الحكم ليس الا!!
 
مع ذلك، فإن تحول السيسي الى رمز وطني وقومي، يعكس رغبة الشعب المصري في استيلاء "قائد رمز" ظل مفقوداً منذ عبد الناصر، فالشعب المصري يبحث دائماً عن مثل هذا الرمز الذي تلتف كل طوائفه ومختلف مجموعاته من حوله، رمز يوحد ولا يفرق، الا أن ذلك يحمل معه العديد من السلبيات الخطيرة، فزمننا الراهن، وفي ظل انتعاش الديمقراطية، لا مجال للرموز، لأن في ذلك شكلا من أشكال الاستبداد اذا تم استثماره لصالح "عبادة الشخصية" الأمر الذي يفتح مجالاً للفردية والاستبداد، خاصة وان التجربة السياسية المريرة في عموم الوطن العربي، دلت على ان الأفراد والجماعات والأحزاب، تختلف عما كانت عليه قبل ان تصل الى الحكم، اذ يظهر معدنها وطمعها واستبدادها.
 
ان هناك خشية من تحول البطل الى أسطورة، على كامل التحول الديمقراطي، لذلك فإن الشعب المصري بحاجة الى أبطال من دون الحاجة الى أساطير، ويكفي للسيسي انه أحال الجماعة التي تحولت من العنف الى الإرهاب، الى التقاعد المبكر، وهذا سيسجل له في انصع صفحات التاريخ، لكن اذا ما زاد الأمر على ذلك، فإن للتاريخ حساباً آخر.
 
واذ يبدو للوهلة الاولى محاسن وإيجابيات هذه الشعبية الهائلة التي يتمتع بها الفريق السيسي، الا أن المزيد من التعمق في الأمر، قد يحيل هذه الإيجابيات الى مخاطر، ذلك ان امتلاك عناصر القوة المزودة بتأييد شعبي واسع وهائل، قد تؤدي الى المغامرة والتغول واستثمار عناصر القوة في غير محلها، هذه المخاطر لا تتوقف على الشعب نفسه، بل الى "الرمز" أيضاً، اذ يتحول من بطل الى مستبد وطاغية، وهذا ما لا نرجوه للفريق السيسي الذي يكفيه انه أعاد أمجاد الثورة الناصرية الى الذاكرة، ومنح الأجيال الجديدة فرصة العودة للتاريخ المجيد لمصر كقائدة للأمة العربية، خاصة وأن السيسي، يحظى بالشعبية الواسعة على نطاق الوطن العربي، الذي يتطلع الى إعادة الاعتبار للربيع العربي بعد أن اعتقدنا انه تم مصادرته الى غير رجعة!!
 
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز