بين فَكَّي الفَساد وسوءِ الْخُلُقْ

  • السبت 2013-08-17 - الساعة 14:46
 
ولما ساءَ بعضُ الناس وساءَت أحوال المدينَة، وطاحَ عِزازُ القوم من عليائهم والفاسدين يَنضَحون وَشَلاً وَطِيْنَا، وثعالبُ فاعت تُدَمْدِمُ في مرابعها تَهْدِي السبيلَ وَتَسُبُّ الماكِريْنا، والكاظمينَ الغَيْظ الصابِرينَ تَجَلَّدوا غَضَباً فآثَرْنا السَّكِيْنَهْ، تعوِي الكِلابُ الْجُرْبِ نابِحَةً طُراَّقَنا والأُسْدُ هادِلةً تَسُبُّ الصَّامِتِيْنا، جُهَّالُ تَظْبَحُ بالأخلاقِ كاذبةً والعَدلُ سارَ بما لا تشتهي السفينَة، فلا حياةَ لِمَن لم يُحْيِي دينا بِسوءِ خُلْقِ الْوالِغينَ فينا، صَحَتْ نواطيرُ مِصْرَ على ثَعالِبِها يا ربُّ فاشْهَدْ أنتَ خَيْرُ الشاهِدينا. 
 
كان ذلك في الخريف الاشتراكي من رومانيا، في عهد الرئيس الأسبق نيكولاي تشاوتشيسكو. حين عمَّ الفساد وترَنَّحَت تَحتَ وَطْأَتِهِ البلادْ، وظهر التفنن بالسَّرِقَة وظُلم العِبادْ، فقيل إن مشروع استحداث شارعٍ رئيسي في احدى ضواحي العاصمة بوخاريست كان مُدْرَجاً ضمن الخطَّة الخَمسية للبلاد، لكن المنفذين المتنفذين سرقوا الموازنة المرصودة لإنشاء الشارع، وأعلموا الرئيس أن الشارع أنجز وكل شيء على ما يرام. 
 
ولكن تشاء الأقدار أن يقرر الرئيس وبعد مرور أكثر من اثني عشر عاماً على المشروع أن يذهب لزيارة ذلك الشارع، ما أحدث إرباكاً في صفوف المسؤولين، فقاموا من فورهم وِبْليلِة ما فيها ضَوْ قَمَر بتعبيد الشارع وأُقيمَت على جانبيه بنايات ضخمَة، بِبَلاكين مزينة بِكَواوير الوردْ وكل ما يُنبئُ بوجود سا كنين فيها، وزرعت أشجار على طول جانبي الشارع. ولما مَرَّ موكب الرئيس كانت النساء والأطفال يلوحون لهُ ويلوِّح لهم ( طبعاً لَوْلا منظمات الشبيبة والمرأة التابعة للحزب الحاكمْ، والغَلابا من الشَّعبِ الْعَاكِمْ، لما أمكن حَشْد من يلوِّحون للرئيس السيد والخادِمْ، من على بَلاكين البنايات والْحَيِّ المُتاخِمْ. 
 
يعني الجماعَة تْكاملوا في سُرْعَة إنجاز الشارع لأنهم كانوا متكاملين أصلاً في الفساد وسرقة الشعب وخِداع الرئيس الذي قضى قتيلاً بلا شَجْبٍ ولا استنكار ولا انتقاد ولا تعليق، ولربما كان الصمت على قتله آنذاك تعبيراً عن برافو كبيرة للقَتَلَة، وطبعاً هالايام في حكام مجرمين أسفَل مِنُّو بِكثير وغير مسموح قَتِلْهُم وَلا إقصاؤهم عن كراسيهم، لا بل يُمنَحون فرصاً متكَرِّرَة للبطش في البلاد والعِباد حتى آخر مواطن وآخِر حَجَرْ. كيف لا ونحن نشهد مفاوضين منافحين عن حقوق الإنسانْ لِحِسابِ مُرسي والإخوانْ، فمن كل الدول شرْقاً وغرباً تقاطروا على القاهرةِ بِسُلْطانٍ وصَوْلَجانْ، مع أن القَتلَ والإرهابَ والفسادْ سماتٌ مميزةٌ للإخوانْ، وعن بَلاوي الشام وبغداد حدِّث ولا حَرَجْ عن معاصٍ وآثام وغياب العَدلِ والإحْسانْ، كيف راكبِه هالشَّغْلِه معهُم رَبَّك يِعْلَمْ يا أبو فْلانْ).
 
المهم، الرئيس تشاوتشيسكو زار الشارع وكانت الزيارة ناجحة وحافلَة بالجماهير الصَّادحة بالهُتافات الوطنية للرئيس والحزب الحاكم. ولما جاءت لحظة الحقيقة، وقُتِلَ الرئيس بنيرانٍ صديقَةٍ رفيقَة، والمواطن لم يعد قادِراً على امْتِلاكِ ما يَبِلُّ فيهِ رِيْقَهْ، ولَو للهُتافِ لَلحاكِمِ بِأَيَّة طريقَهْ. فَراحَت السَّكْرَهْ وجاءتِ الفِكْرَهْ، والخازوق الأعظَم يتَنَقَّلُ تحت الناسِ مِنْ نُقْرَه لِنُقْرَه، لِيَنْهَض المواطِن مِن دُحْدِيْرَه ويِسْقُط بِحُفْرَهْ. فلا لَيْلَ يُلْقي لِنورِ الفَجْرِ وِشاحَهْ، ولا الطَّلُّ يَشْكُوَ للرَّملِ جِراحَهْ. إذ تَبَيَّن أن البنايات الشاهقة على طول وجانبي الشارِع لم تَكُن إلاَّ واجهاتٌ جوفاء فارغة من الخَلف، بِبلاكين ووُرود لا بيوت لها، لكن من يمُرَّ بالشارع يعتقد أنها بنايات حقيقية. هذا هو الفساد الرَّزيلِ الذي سادْ، وأوصل أصحابه الى النهاية المحتومَة فأطاح بحكام البلادْ.
 
لقد شهدنا نُظُماً وحُكَّام أصبحت الآن في خبر كانَ، حتى تِلْكَ التي كانت مرعيَّة وَمَحمِيَّة لِمَوْلانا. حين لم ينفعها مالٌ ولا سلاحٌ ولا سُجون، وتخلى عنها الصديق والحليف واستُبْدِلَ العاقل بالمَجنونْ، صَحيح إنُّو الجُنُون فْنُونْ، لكن الفَسادَ مْمَوَّل وِمْوَجَّهْ وْبَرْضُه مَرْهونْ.
 
الموظف في رمضان لازم يحمل الناس جْمِيْلِه بِصْيامُه بالقول أنا صائم، ففي كثير من المؤسسات العامة اعتقد أن منسوب الانتاج فيها قد انخفض خلال شهر رمضان الى ما يقارب الصفر المئوي إن لم نقل دونَهُ. أحياناً تجد موظفا يخرج من مكان عملُه ليغيب ساعة كاملة بحجة أداء الصلاة في الجامع ويرفض أخذ إذِن مغادرة من مُدِيْرُه علماً أنه لا يوجد قانون في العالم يسمح بذلك. موظف آخر في إحدى المؤسسات المحترمة يقتني فَرْشِة وِمْخَدّة في مَكْتَبُو ليأخذ قَيْلُولَة أو تَعْسِيْلِة في حال حَكَم سلطان النوم، لا بل ويخرج من مكان العمل أثناء الدوام الرسمي ربما لقضاء مصلحة شخصية ويرفض أخذ إذن مغادرة من مسؤولُه لأنه يرى في ذلك مساس بكرامتُه الوطنية باعتبارِهِ مناضل وله أقدمية في الوظيفة مقارنة مع باقي زملائِه.
 
القوانين والأنظمة في بعض المؤسسات يجري التعدي عليها وتُستَباح من قبل البعض الذين لا يعرفون منها سوى مصالحهم وامتيازاتهم، وتجاوزوها وتجاوزوا عليها لسرقة وهَبْش حقوق غيرهم. فما أكثر المتدثرين بثياب السلطان وَيُشَرْشِرون فساداً وتخريباً ولا يقدمون شيئاً يُحَلِّل ولو جزءاً من رواتبهم. ناهيك أن أمثال هؤلاء يُريدون القوانين والأنظمة مَختومِه على قفاها وممهورة بإرادِة إبن السِّت، على حسابِ ومن تَعَبْ وعَرَق جبين ابنِ الجاريِة، الممنوع غالباً من تجاوز خَط الِبدايِة لحين وصول ابن السِّت خَط النهايِة ويصفق لهُ.
 
وكم من موظفٍ مخلصٍ مجتهد سارَ على الدوام بقوة دَفع ضميرِهِ وأخلاقهِ فتفانى في العطاء، ليأتيه في النهاية فَسَّاء أشَرّْ يستأثر بالامتياز والصلاحيات ويخطف الإنجاز وينسبه اليه، فَتَبَّت يَداهُ وعيْناهْ ولسانُهُ وشفَتَاهْ. والبعض ألَّفوا كُتباً وَدَواوينَ شِعْرٍ وُضِعَت عليها أسماء قادتهم ومسؤوليهِم في العَمَلْ، في زمنٍ بات مَطِيَّةَ الأغبياءِ وَالْهَمَلْ. حيث اللص يعتقد أن الناس مثْلهُ لصوص سارقونْ، والكذاب يعتقد أن كل الناس على شاكِلَتِهِ كَذَّابونْ، فَسُحقاً لكل هؤلاء المجرمين الفاسدين الملعونينْ، انهم حقاً إخوان الشياطينْ.
 
وكم من أُمّيٍّ جاهلٍ جَهولْ، لا يحمل سوى الشَّهادتيْن وتَسَيَّد في موقِعِهِ الوظيفي عرضاً وَطُولْ، وَتَحْتَ نابِ الغُولْ، على أناسٍ أعلى وأعلَمَ منه علماً وكفاءةً وفضيلةً بلا فُضولْ، لأْ وْمِش بَسْ هِيْك وْبِتْلاقيه بِقُدرِة قادِر أو بِسَطْوَةِ مسؤولِه الغادِرٍ تُوْضَع لأجلِهِ القوانين والأنظمِة والتشريعات لِلْقَفْزِ بِهِ لأعلى الدَّرَجات والامتيازات عُنْوَةً متجاوزاً تراتبيَّة التَّدَرُّج الوظيفي، وخاطفاً لِحسابِهِ حقوق من هم أولى وأحق منه بما لا يُقاسْ. يا جماعَة في أسفَل وأكثَر وضاعَة وفساداً من أن تَصِل الأمور حَد حصول موظف متقاعد على ترقية لدرجة عُلْيا بعد مرور سنوات على تقاعده وخروجهِ من السلَّم الوظيفي المضاف لخروجِهِ الدائم عن قانون الخدمة الوظيفية وعلى حقوق الناس من أصحاب الحق. يا أخي هالشَّخص يِتْخَيَّل نَفْسُه ولو مرَّة مكان الآخَر الموظف المظلوم أو الْمسروقة حقوقُه. وفوق كل هذا والذي، يا ويلَك إذا عَدَلْتْ ويا ويلَك إذا اشتَغَلْتْ ويا ويْلَك وظَلام لِيْلَكْ إذا تَفانَيْتَ ونَجَحْتْ. يا جماعَة شو بدو يِتْحَمَّل الواحَد تا يِتْحَمَّل وِالشُّو بِدُّو يِوْسَعْ تَا يِوْسَعْ، الله وكيلْكو بَهْوَقْنا مِن كُثُر ما وْسِعْنا وِتْحَمَّلنا.
 
 قَسَماً بالله أحد أصدقائي قال لي أنه يَتمنى أن يتم وَقْفُه عن العَمَل حتى ولو بتهمِة فساد، لأنو بصراحَة بيرْتاح وبيروح يْشوف شُغْلُه الخاص لَبِيْن ما يالله السلامِة يْبِتوا بأمرُه في تحقيق اللجان أو بقرار المحاكِم، وياما ناس قبضوا رواتبهم على دايِرْ مَلِّيْم بعد انتهاء القضية بَرداً وسلاما.
 
بعض كبار الموظفين صايْرين زَيِّ الْعَشِّي اللي بيجي على العُرُس جايب معاه صْحُونو وْطَناجْرُو وْبَوابِيْرو، وْلَماَّ يِيجي يْرَوَّح بِيْرَوِّحْهِن مَعُو أو بِيتْصَرَّف فيهِن زَي ما بِدُّو، وكإنُّو الموظف مُلْك شَخًصي إلُو ولا يخضع للنظام والقانون. طيب بلاش هايْ، تْصوروا إنُّو موظف مثلاً بيصحى مش جايْ على بالو يْداوم بيروح مسجل اجازة مَرَضِيِّة وحسب الأصول وأخُو أُخْتُو عاد اللي يِقْدَر يِتْحَقَّق من مِصْداقية الموظف اذا كان مريض فِعلاً وِلاَّ لَعْ. ومش بس هيك يا سيدي مهمة العمل الميداني خارج المكتب، يعني الله وكيلْكو هاي أسهل شغلِة لأي موظف بِدُّو يْمِيْزِطْ من الدوام، بْيوخِذ مهمة رسمية وبْوِجْهُو عالدار وِلاَّ على مشاغْلُه الخاصة. وَلْكُو حتى لما الحكومِة بْتِسْمَح بِخْروج الموظفين للمشاركة بنشاط وطني وْتضامني مع الأسرى مثلاً، عليم الله ما عُدْت تْلاقي منهم عِشرين ثلاثين واحد والباقي بِيْرَوِّح، وْمَراَّت دُغْرِي من باب المؤسسة عالبيت وْلا وِجْهَكْ وَلا حَيِّد، طَبْ هاظْ مِش سِرْقَة فاضْحَة لَلْمال العامْ ؟!هَيْ أقسِم بالله هذا حرام، يا جماعة شْوَيّة ضمير بلاش كُلُّو، يَعني سُمْعِة المَحَل زَيْ ما بِيْقولوا وَلَوْ. 
 
اتقوا الله يا عالَم، معقول الموظف اللي من بيت لحم ومن الخليل بِيْوصَل على شٌغْلُه في رام الله قبل الموظف اللي ساكن بنفس رام الله، هَيْ والله كثير علينا هيك وَجَّعتولنا فَلْبْنا. كل واحد منا بحاجة اليوم لوقفة مع ضميره وأخلاقُه وإلاَّ.
 
نعم يا سادتي سنبقى نعمل ونُنْتِجُ بِصَمْتٍ نُحارِبُ مَن أَساؤوا، وانْعَتونا إن أرَدْتُم بأبناء الصَّمْتْ وقولوا فينا ما تَشاؤون، وهنيئاً لِمَن ارتَضَوا أن يكونوا صدىً فارِغاً وطبولاً جَوفاءُ، والضَّجيج المُمِل الذي طالما صَمَّ آذان المخلِصين من أصحاب الضمائرِ النُّبَلاءُ، الذين طالما سَخِرَ منهُمُ الدُّونُ والبُلَهاءُ. وسنبقى نُعلي رايَةَ العَدْلِ في المؤسَّسَةِ على رؤوسِ الفاسِدينَ السُّفَهاءُ، وهُم سَيَبْقَون مكبلين بِفسادِهِم وتَصْدأَ ضمائِرُهُم الصفراء وعُقُولُهُمُ خَرْقاءُ.
 
 
 
 
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز