الإفراج عن الأسرى: تنغيص إسرائيلي متعمد

  • الأربعاء 2013-08-14 - الساعة 09:41
بقلم: أشرف العجرمي
 
وسط تشاؤم فلسطيني واضح من آفاق عملية المفاوضات غير الواضحة بتاتاً يأتي الإفراج عن ستة وعشرين أسيراً ومعتقلاً من سجون الاحتلال كنقطة مضيئة في وسط الضبابية التي تلف العملية السياسية، وفي كل الأحوال الإفراج عن أي أسير ومعتقل هو مكسب لشعبنا ونضاله الوطني، ولا شك في أن إنهاء ملف الأسرى المعتقلين منذ ما قبل اتفاق "أوسلو" هو موضوع مهم يستحق التقدير، فهؤلاء كان من المفروض أن يجري تحريرهم مباشرة بعد توقيع الاتفاق بين منظمة التحرير وبين الحكومة الإسرائيلية في عام 1993، تماماً مع الدفعات التي جرى الإفراج عنها في سنوات 1995 و1996، ولكن إسرائيل تعاملت معهم كرهائن، خاصة أن الاتفاق لا ينص صراحة على الإفراج عنهم، وترك الموضوع بسبب خطأ المفاوضين الفلسطينيين إلى حسن النوايا الإسرائيلية وهي غير موجودة، وعليه تأخر الإفراج عنهم لأكثر من ثمانية عشر عاماً وهذه فترة طويلة مؤلمة تركت ندوباً عميقة في نفوس هؤلاء الأسرى والمعتقلين ونفوس ذويهم وأبناء شعبنا عموماً الذين ينظرون لمسألة الأسرى باعتبارها تحظى بإجماع وطني شامل.
 
الآن هناك فرصة لإنهاء معاناة هؤلاء الأسرى، وهذا أمر إيجابي يجب أن يؤخذ بالحسبان عند تقييم ما يجري بيننا وبين الجانب الإسرائيلي، بغض النظر عن الموقف من المفاوضات سواءً بالقبول أو الرفض، ومن المفروض أن يجري استقبال هؤلاء الأسرى بما يليق بهم، ويجب الخروج من دائرة الحسابات الضيقة في التعامل مع قضيتهم خصوصاً من قبل الجهات التي ترفض رؤية الجانب الإيجابي في عملية الإفراج خوفاً من أن يحسب ذلك إنجازاً للقيادة الفلسطينية التي دخلت مفاوضات وسط جدل ومعارضة واسعة من بعض القوى التي تعارض العودة للمفاوضات، وكما فرحنا في علميات الإفراج السابقة ومنها تبادل الأسرى مع الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليت فعلينا أن نتعامل مع عملية الإفراج الحالية والقادمة بنفس المستوى فهذا أمر وطني بامتياز.
 
الحكومة الإسرائيلية وافقت مرغمة نتيجة ضغوط أميركية ثقيلة على الإفراج عن الأسرى ولكنها لا تفعل ذلك من خلال رغبة في تحقيق السلام أو في إطار حسن نية واضح بل كجزء من لعبة سياسية تحاول فيها خلط الأوراق وتحقيق أقصى ما يمكن من الإنجازات في قضايا مهمة وتمثل أولوية بالنسبة لها. فالإفراج عن الأسرى تحصيل حاصل مثلما حصل في عملية التفاوض السابقة خلال تطبيق اتفاق "أوسلو" وبعد ذلك مع رئيس الوزراء الأسبق إيهود أولمرت. ولكن ما تعتمد عليه الحكومة أكثر من أي شيء هو الاستيطان الذي يشكل قاسماً مشتركاً لكل أطراف الحكومة.
 
حتى الإفراجات تتم في إطار يبقي الموضوع في يد الحكومة الإسرائيلية التي قد تتراجع عنها في أي لحظة، إذا ما تجرأ الفلسطينيون وأوقفوا المفاوضات قبل انقضاء مدة التسعة شهور المقررة للتفاوض، فالإفراج مقسم على أربع مراحل موزعة على فترة المفاوضات. كما أن الإفراجات مقسمة حسب القضية، والأسرى من القدس والداخل سيتم الاحتفاظ بهم حتى مرحلة متأخرة. والأخطر من ذلك مقايضة الإفراج عن الأسرى بالاستيطان في صفقة داخلية بين رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو وبين حركة (البيت اليهودي). فمقابل تنفيذ الالتزام الذي تم قطعه أمام الأميركان بالإفراج عن الأسرى سيسمح بالبناء الاستيطاني. حتى كيري أعلن أنه يتوقع الاستمرار في بناء الوحدات الاستيطانية، ويحاول التلاعب بالموقف من خلال التأكيد على أن المستوطنات غير شرعية. وهو يعلم الموقف الإسرائيلي وربما جرى التفاهم عليه بين الإسرائيليين والأميركان فقط لضمان استئناف المفاوضات التي تعبر عن حاجة أميركية كما هي حاجة إسرائيلية تخص نتنياهو بالذات.
 
المشكلة الأصعب على الجانب الفلسطيني هي ليس فقط الاستمرار في البناء الاستيطاني، بل كذلك في زيادة وتيرته بصورة غير مسبوقة وكأن إسرائيل في سباق مع الزمن وفي كل يوم تقريباً هناك أخبار عن بناء مئات الوحدات السكنية. وفي خلال الأيام القليلة الماضية فقط تم الإعلان عن بناء 1200 وحدة، ثم 900 وحدة ثم جرى الحديث عن خطة بناء لحوالي 3000 وحدة جديدة. وهكذا يصبح الاستيطان منغصاً حقيقياً على عملية الإفراج عن الأسرى والمعتقلين وفي نفس الوقت يراد منه قتل فكرة حل الدولتين. أي أن الحكومة الإسرائيلية تريدنا رهائن لعملية كسب وقت جديدة لتخفيف الضغوط الدولية والعزلة الآخذة في التزايد حول إسرائيل. والإجراءات الإسرائيلية ستقود إذا استمرت إلى تفجير المفاوضات التي لم تبدأ بعد بصورة حقيقية، والتي على ما يبدو ستكون عقيمة وغير ذات جدوى. ومعضلة القيادة الفلسطينية فيها أنها لا تعرف ماذا تفعل، فهناك ضغوط من أجل التفاوض ووعود أميركية بالمساعدة والتدخل في كل التفاصيل من أجل التوصل إلى اتفاق. وهناك الموقف الإسرائيلي الذي يريد إحراج القيادة ودفعها الى اتخاذ موقف لتحميلها مسؤولية الفشل.
 
الموقف الأميركي دون شك يعقد المسألة بالإصرار على التفاوض دون انضاج الظروف لذلك، وإذا لم يتحقق شيء جدي خلال الفترة القليلة القادمة سيكون الإحباط سيد الموقف وربما يقود إلى انفجار الأوضاع في ضوء ما تشهده المنطقة من توترات وثورات. مع ذلك نحن الآن في لحظة الاحتفال باستقبال الدفعة الأولى من الأسرى ويجب ألا نسمح لأحد بالتنغيص علينا حتى لو قامت إسرائيل بكل ما لديها من منغصات، فحقهم علينا أن يستقبلوا بحفاوة وترحيب كبيرين، وبعد ذلك ليحدث ما يحدث.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز