السلام في الشرق الأوسط.. المحفز الرئيس

  • الأربعاء 2013-08-14 - الساعة 09:26
بقلم: جون ويتباك
 
في يوم 30 يوليو (تموز) الماضي، بعد المحادثات التمهيدية عن المباحثات في واشنطن، أعلن وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، أن «المفاوضات المتواصلة الدائمة والمهمة» بين الإسرائيليين والفلسطينيين «من أجل التوصل إلى اتفاق الوضع النهائي» ستبدأ خلال أسبوعين. علاوة على ذلك، فقد حدد مهلة مدتها تسعة أشهر لإتمام هذه المفاوضات بنجاح.
 
لماذا يجب - وكيف يمكن - أن تكون مهلة التسعة أشهر هذه أهم من كل المهل السابقة في «عملية السلام» التي تبدو مستمرة في الشرق الأوسط؟
 
على مدار «عملية السلام» هذه، لم يجر الالتزام بكل المهل، بدءا من مهلة الخمس سنوات المحددة للتوصل إلى اتفاق سلام دائم، الذي حدّد في «إعلان مبادئ أوسلو» الذي جرى توقيعه قبل نحو 20 عاما، بشكل دائم ومتوقع. وقد ضمن أوجه الفشل الحقيقية العملية الممثلة في أنه، بالنسبة لإسرائيل، لم يحمل «الفشل» أي تبعات خلاف استمرار الوضع الراهن، الذي لم يكن، بالنسبة لكل الحكومات الإسرائيلية، مقبولا فقط، بل كان مفضلا عن أي بديل قابل للتحقيق بشكل واقعي.
 
بالنسبة لإسرائيل، فإن «الفشل» دائما ما شكَّل «النجاح»، إذ سمح لها بالاستمرار في مصادرة الأراضي الفلسطينية وتوسيع نطاق مستعمراتها في الضفة الغربية وجعل احتلالها لفلسطين أكثر ديمومة وثباتا.
 
لمصلحة الجميع، ينبغي أن يتغير هذا. ولكي تكون هناك أي فرصة لتحقيق نجاح حقيقي في هذه الجولة من المفاوضات أو أي جولة أخرى جديدة، يجب أن تكون للفشل تبعات واضحة ومقنعة، التي قد يجدها الإسرائيليون غير جذابة - في واقع الأمر مروعة كالكابوس.
 
في لقاء نشر بتاريخ 29 نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2007، في صحيفة «هآرتس» اليومية الإسرائيلية، أعلن إيهود أولمرت، الذي سبق بنيامين نتنياهو في تولي منصب رئيس الوزراء قائلا: «إذا أتى اليوم الذي انهار فيه حل الدولتين، وواجهنا صراعا على طراز أميركا الجنوبية على المساواة في حقوق التصويت (أيضا لأجل الفلسطينيين في الأقاليم)، بمجرد حدوث ذلك، تنتهي دولة إسرائيل».
 
أحالت هذه المقابلة على نحو مفيد إلى مقال سابق نشر في صحيفة «هآرتس» بتاريخ 13 مارس (آذار) عام 2003، الذي أعرب فيه أولمرت عن القلق نفسه كالتالي: «المزيد والمزيد من الفلسطينيين غير مهتمين بحل دولتين يجري التوصل إليه عن طريق التفاوض، نظرا لأنهم يرغبون في تحويل أصل النزاع من نموذج جزائري إلى نموذج خاص بجنوب أفريقيا. من صراع ضد (احتلال)، في أسلوب حديثهم، إلى صراع على مبدأ (الرجل الواحد له صوت واحد). وهذا بالطبع صراع أكثر عدلا وشعبية - وفي النهاية أكثر قوة. بالنسبة لنا، سوف يعني نهاية الدولة اليهودية».
 
إذا أمكن توحيد الرأي العام الإسرائيلي على مشاركة مفهوم موقف إسرائيل والخيارات التي تجلت في التصريحات العامة المدركة لأولمرت، فسوف يدخل الفلسطينيون هذه الجولة الجديدة من المفاوضات المباشرة في موقف قوة، من الناحية الثقافية والنفسية، على الرغم من صعوبة تخيل الفلسطينيين عملية قلب الأدوار هذه.
 
إن كل ما قد تحتاجه القيادة الفلسطينية هو الإشارة في الوقت الذي تبدأ فيه هذه الجولة الجديدة من المفاوضات إلى أنه، في حالة عدم التوصل إلى اتفاق سلام حاسم يقوم على أساس حل الدولتين وتوقيعه خلال مهلة التسعة أشهر التي حددها وزير الخارجية كيري، لن يكون أمام الشعب الفلسطيني أي خيار خلاف البحث عن العدالة والحرية عبر الديمقراطية - من خلال حقوق المواطنة الكاملة في دولة واحدة في إسرائيل/فلسطين بأكملها، والتحرر من أي تمييز على أساس العرق أو الدين، مع تمتع جميع من يعيشون هناك بحقوق متكافئة على قدم المساواة.
 
ينبغي على الجامعة العربية أن تعلن على الملأ أن مبادرة السلام العربية السخية التي منحت إسرائيل، منذ مارس 2002، سلاما دائما وعلاقات دبلوماسية واقتصادية طبيعية بالعالم العربي كله مقابل امتثال إسرائيل للقانون الدولي، ما زالت مطروحة، ولكن ستنتهي مدة سريانها وترفع «من على الطاولة»، في حالة عدم التوصل إلى اتفاقية سلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين والتوقيع عليها خلال مهلة التسعة أشهر.
 
إن طرح الخيار على الإسرائيليين بدرجة كبيرة من الوضوح سوف يضمن أن تكون القيادة الإسرائيلية ملهمة - في واقع الأمر ملزمة - بتقديم أكثر عروض حل الدولتين جاذبية للفلسطينيين، الأمر الذي قد يجده الرأي العام الإسرائيلي مقبولا ويصدق عليه في الاستفتاء الموعود على أي اتفاقية سلام.
 
في هذه المرحلة - ولكن ليس قبلها - يمكن أن تبدأ مفاوضات جادة وهادفة.
 
ربما يكون برنامج الاحتلال الإسرائيلي الواسع قد زاد من صعوبة تطبيق حل دولتين مُرضٍ، لكن في ظل اختيار تمت صياغته على هذا النحو، لن يحظى حل دولتين لائق بفرصة أفضل لتحقيقه. ولو كان الوقت متأخرا جدا، فعلا، حينئذ سيعلم الإسرائيليون والفلسطينيون والعالم، ومن ثم يمكنهم بعدها تركيز أفكارهم وجهودهم بشكل بناء على الخيار الوحيد اللائق.
 
ربما يكون من الممكن أيضا أنهم إذا ما اضطروا إلى التركيز على احتمالات العيش في دولة ديمقراطية كليا بحقوق متساوية لكل مواطنيها - التي تطمح إليها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، فيها كشكل مثالي للحياة السياسية - قد يعتبر الكثير من الإسرائيليين هذا تهديدا أقل خطرا من التهديد التقليدي الذي يعانونه.
 
في هذا السياق، قد يرغب الإسرائيليون في الحديث مع البيض في جنوب أفريقيا. فقد أسهم التحول من الفكر العنصري والنظام السياسي في جنوب أفريقيا إلى دولة ديمقراطية بالكامل في تغيرهم من منبوذين إلى أشخاص موضع ترحيب في جميع أنحاء منطقتهم والعالم. كما أكد أن ديمومة وجود أبيض قوي وحيوي في جنوب أفريقيا بصورة تزيد من أمد الظلم الصارخ للآيديولوجية والنظام السياسي العنصري وتهدد بقيام «دول مستقلة» مجزأة تعتمد على مواطنيها لا يمكن أبدا أن يتحقق. ومن ثم فهذه سابقة لا يمكن تجاهلها. بل وتمثل إلهاما أيضا.
 
يجب أن تكون أي مفاوضات جديدة تهدف إلى إنهاء احتلال فلسطين على أساس الدولتين وتحقيق السلام مع قدر من العدالة مشروطة بموعد نهائي حقيقي وذي مصداقية لتحقيق النجاح ويجب أن يكون له عواقب واضحة لا لبس فيها للفشل. وإذا كان مستقبل الأرض المقدسة سيكون على أساس التقسيم إلى دولتين أو على ديمقراطية كاملة في دولة واحدة، يجب أن يجرى الاختيار النهائي الآن. فلم يعد من الممكن السكوت على «عملية سلام» احتيالية تهدف فقط إلى إضاعة المزيد من الوقت.
 
* جون ويتباك، محام دولي ومستشار لفريق التفاوض الفلسطيني في المفاوضات مع إسرائيل
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز