رهان أميركا الخاسر على ثلاثة أحصنة

  • الإثنين 2013-08-12 - الساعة 08:07
بقلم: سوسن الشاعر
 
أكدت الكثير من الدراسات والبحوث التي قدمت للإدارات الأميركية بعد العام التالي على حادثة الحادي عشر من سبتمبر 2001 أن التعاون الأميركي مع الجماعات الدينية «المعتدلة» على حد وصف تلك الأبحاث لجماعة الإخوان المسلمين وبعض الأحزاب الشيعية هو البديل الأمثل عن التعاون مع الأنظمة العربية الحليفة التي عجزت عن احتواء جماعات العنف الإسلامية.
وأكدت تلك الدراسات أن على الولايات المتحدة الاعتراف ودعم الجماعات الدينية المعتدلة كقوة سياسية صاعدة مؤهلة تنظيميا وبنيويا للعب دور أساسي في المشهد السياسي في الدول العربية، والأهم القادرة على لعب دور أساسي في التصدي لجماعات العنف الإسلامي بعد أن عجزت الأنظمة العربية عن تلك المهمة فجاء الحادي عشر من سبتمبر.
 
وقد كان مؤتمر لندن الذي عقد عام 2002 منعطفا فاصلا شكل طبيعة المرحلة المقبلة في التعاون بين الجانبين الأميركي البريطاني من جهة، والجماعات الدينية الشيعية من جهة أخرى.
 
وقد حضره مسؤولون أميركيون وبريطانيون ومنهم كرايجسكي السفير الأميركي الحالي لدى البحرين، وعلى الجانب العراقي حضره الأكراد وآل الحكيم ووجوه من التيار الشيرازي وصفت بأنها معتدلة، وأوكلت مهمة التنسيق بين الجانبين لكرايجسكي ورصدت لهذه المهمة 5 ملايين دولار، وتمخض عن هذا المؤتمر قائمة طويلة من المؤسسات البريطانية والأميركية عملت على تدريب وتأهيل الجماعات الشيعية في العراق والبحرين للانخراط في العمل السياسي العلني من بعد عملها السري العنيف (المصدر صحيفة «بوسطن غلوب» بتاريخ 21 مايو/أيار 2002 وصحيفة «هوتس نيويورك» 16 أبريل/نيسان 2009).
 
ومن أجل إفساح المجال لتلك الجماعات أن تكون عاملا فاعلا في التحولات الديمقراطية مارست الولايات المتحدة ضغوطا على كل من بعض الأنظمة العربية، من أجل القيام ببعض الإصلاحات السياسية التي تتيح لهذه الجماعات الانخراط في العمل السياسي العلني مع القيام بدعمها وتأهيلها من أجل تمكينها من خلال برامج التدريب المكثفة التي رصدت لها الإدارات الأميركية المتعاقبة موازين ضخمة في معاهد ومشاريع ومنظمات دعم الديمقراطية وكان المستفيد الأكبر من تلك البرامج هم أعضاء من التيارات الشيعية كالشيرازيين وخط الإمام والولي الفقيه وحزب الدعوة العراقي.
 
أما فيما يتعلق بالجماعات السنية فالدراسة التي قدمتها مؤسسة «راند» الشهيرة عام 2003 كانت هي الانعطافة التاريخية التي وضعت أسس التعاون مع الجماعات السنية تعاونا علنيا، ووضعها موضع التنفيذ مؤتمر إسطنبول 2004 الذي حضره عبد المنعم أبو الفتوح، وتلاه مؤتمر بروكسل 2006 الذي التقت فيه قيادات الإخوان بمسؤولين أميركيين على مستوى مساعد وزير الخارجية وبرعاية ومباركة تركية.
 
ونتيجة ضغطها على حكومة الرئيس مبارك فتح الباب للمنظمات الحقوقية ومنظمات دعم الديمقراطية كي تعمل في مصر بحرية تامة ومثل ذلك حدث في بعض الدول العربية، واستفاد الإخوان من تلك البرامج أيما استفادة.
 
وعلى الرغم من أن تلك الدراسات تعرضت للمعضلات التي شككت في قدرة تلك الجماعات على التوافق مع المبادئ والقيم الديمقراطية الأميركية مما قد يشكل عائقا يحول دون عقد هذا «الزواج العرفي» معها، وسمتها بـ«المناطق الرمادية الست» حين ذاك وتتركز على موقف الجماعات الدينية من حقوق الأقليات والمرأة والحقوق المدنية والتعددية السياسية والدينية والعنف والشريعة كمصدر وحيد للتشريع، وعلى الرغم من أن عدم حسمها يتناقض تماما مع الهدف المعلن وهو «دعم الديمقراطية» فإن جميع الإدارات بدءا من إدارة بوش الابن وإدارة أوباما قررت غض الطرف عن انتهاكات تلك الجماعات لتلك الحقوق وتركتها «للزمن» كي يحلها!!
 
وفي تغاضي الإدارات الأميركية وفي قفزها عن تلك المناطق دون حسمها، يتأكد لنا أن الهدف الحقيقي للتحالف مع تلك الجماعات غير معني بتاتا بالمشروع المعلن وهو «دعم الديمقراطية»، فمن دون تلك النقاط نحن نتكلم عن أي صيغة إلا الصيغة الديمقراطية! (والواقع أنها تتغاضى تماما عن كل انتهاك تقوم به تلك الجماعات لهذه القيم يوميا على مرأى ومسمع من سفاراتها في مشاهد لا يمكن حصرها في العراق وفي مصر وغيرهما) ويتضح أن الهدف الحقيقي هو تمكين تلك الأقلية لا دعم الديمقراطية.
 
وإذا أخذنا بهذه التجارب الثلاث التي رمت الولايات المتحدة بثقلها خلف الجماعات الدينية فيها، فسنجد أن العشر سنوات الماضية لم تكن كافية لتأهيل تلك الجماعات تأهيلا يتيح لها مهارات الإدارة، ولم تكن كافية لتبعدها عن ممارسة العنف، وهي الخارجة من سراديبه، ولم تكن كافية لتحديد موقفها من المناطق الرمادية الست، وفشلت فشلا ذريعا حين وجدت نفسها في موقع القرار حيث وصلت لسدة الرئاسة في مصر وفي العراق وغيرهما، وفي هذه التجارب فشلت فشلا ذريعا في ترجمة ما دربت عليه وأهلت له، فكانت النتيجة زيادة في وتيرة العنف كانت تلك الجماعات إما فاعلا رئيسا له أو غطاء له، وانتهكت كل القيم والمبادئ الديمقراطية التي دربت عليها، فلا عجب وهذه هي نهاية الرهان الخاسر أن تمردت الغالبية الصامتة على تلك الجماعات، فتمرد البحرينيون على الجماعة الدينية المتحالفة مع الولايات المتحدة التي احتلت الدوار في 21 فبراير 2011، وتمرد المصريون عليهم في 30 يونيو 2013 بعد أن احتل مرسي الرئاسة، ويدفع العراقيون يوميا أرواحهم ثمنا لتمردهم على حزب الدعوة وفي الحالات الثلاث خسرت أميركا رهانا أعدت له لعشر سنوات بمليارات الدولارات وتحولت أميركا ربما إلى «العدو رقم واحد» للغالبية الصامتة في هذه الدول الثلاث.
 
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز