الربيع العربي والمستوطنات الإسرائيلية الجديدة

  • الإثنين 2013-08-05 - الساعة 08:55
بقلم: عطاء الله مهاجراني
 
في ضوء الأحداث الحالية في منطقتنا، ولا سيما في فلسطين، أعتقد أن الضحية الكبرى للربيع العربي كانت ولا تزال تتمثل في الفلسطينيين، وبالطبع عملية السلام الفلسطينية، فالمسلمون مشغولون بقتل وإرهاب بعضهم البعض في سوريا والعراق ومصر وأفغانستان، وحتى في تونس، وأصبحنا نركز الآن على ميدان رابعة العدوية وميدان التحرير، بدلا من التركيز على فلسطين، وهو ما أصبح بمثابة فرصة ذهبية لإسرائيل للتخلي عن عملية السلام وبناء مستوطنات جديدة كل شهر، وصدق المثل القائل «مصائب قوم عند قوم فوائد».
 
وكان الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات قد وضع البيض كله في سلة الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، وكان هذا بمثابة رهان كارثي جعله في النهاية يفقد المصالح الفلسطينية في دول الخليج، كما كررت حركة حماس نفس الخطأ الاستراتيجي لعرفات عندما وضعت كل البيض في سلة محمد مرسي. وللأسف، لا توجد وحدة في العالم الإسلامي في الوقت الراهن، ونفس الأمر ينطبق على الفلسطينيين أنفسهم.
 
والآن، أصبحنا في موقف معقد للغاية، حيث أصبحت هناك عملية سلام جديدة، ومبعوث أميركي خاص لعملية السلام معروف بدعمه التام لإسرائيل وهو السفير مارتن إنديك، الذي جاء بعصاه السحرية لإضاعة الوقت ومحاولة خلق أجواء إيجابية لتحقيق مصالح إسرائيل. وأعتقد أن هذا الوضع المعقد له ثلاثة أبعاد مختلفة:
 
1 - أعلنت القناة العاشرة للتلفزيون الإسرائيلي أنه على الرغم من القرار الإسرائيلي بالإفراج عن 104 معتقلين فلسطينيين واستئناف المفاوضات مع الفلسطينيين، فإن وزارة الإسكان الإسرائيلية قد وافقت على إنشاء مستوطنة جديدة في قلب القدس الشرقية المحتلة. ووافق وزير الإسكان الإسرائيلي أوري أرئيل على الخطة. وأضاف أن الكثير من المحللين السياسيين في إسرائيل يعتقدون أن هذه القرار يعد بمثابة ضربة قوية للجهود الرامية إلى استئناف واستمرار المفاوضات. وتم تقديم الخطة مرة أخرى إلى مجلس المدينة الذي وافق عليها، ومن المقرر أن تتم عمليات البناء على مساحة خمسة دونمات. وقد رفض الجانب الفلسطيني هذه الخطة، ولكن يبدو أنه عازم على استئناف الجولة الأولى من المفاوضات مع الإسرائيليين.
 
2 - توقفت المفاوضات المباشرة بين الجانبين منذ سبتمبر (أيلول) 2009، عندما استأنفت إسرائيل عملياتها الاستيطانية. وتنتشر المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية والقدس، علاوة على أن الجدار العازل قد حول الأراضي الفلسطينية إلى كانتونات منعزلة. 
 
يذكر أن مساحة الضفة الغربية تصل إلى 5655 كيلومترا مربعا طولا، وما يتراوح بين 40 و65 كيلومترا عرضا، بينما تصل مساحة قطاع غزة إلى 365 مترا مربعا طولا وما يتراوح بين 5 و12 كيلومترا عرضا، وهو ما يعني أن إجمالي الأراضي الفلسطينية يصل إلى 6020 كيلومترا مربعا.
 
وقال مسؤول بالبيت الأبيض، إن الرئيس الأميركي باراك أوباما قد التقى يوم الثلاثاء الماضي مفاوضين إسرائيليين وفلسطينيين بارزين في اليوم التالي لاستئناف المفاوضات في واشنطن. ويأتي هذا الاجتماع بعد أول جلسة من المفاوضات الفلسطينية - الإسرائيلية بعد نحو ثلاث سنوات من التوقف في الوقت الذي أعرب فيه وزير الخارجية الأميركي جون كيري عن أمله في الوصول لحل لهذا الصراع، على الرغم من الخلافات العميقة بين الجانبين.
 
 ولم يشارك أوباما في المفاوضات حتى الآن، وترك الأمر لوزير خارجيته لكي يقود المفاوضات بين الجانبين.
 
ويعد استئناف المفاوضات جزءا من مساعي الولايات المتحدة لإحياء عملية السلام في الشرق الأوسط، وهو ما تم الإعلان عنه بداية الشهر الحالي من قبل كيري. ويشارك في هذه المفاوضات الأولية تسيبي ليفني من الجانب الإسرائيلي، وصائب عريقات من الجانب الفلسطيني، ومن المتوقع أن تستمر المفاوضات تسعة أشهر. وفي الوقت الذي طلب فيه كيري من الجانبين التوصل لـ«تسوية معقولة»، تبقى هناك نقاط محل خلاف كبير مثل قضايا الحدود والأمن.
 
وفي حوار مع «راديو إسرائيل» صباح الثلاثاء الماضي، أعربت ليفني عن اعتقادها أن إسرائيل ليس لديها خيار القبول بالهزيمة فيما يتعلق بالتوصل لاتفاق سلام دائم مع الفلسطينيين، وأنه من الممكن التوصل لمثل هذا الاتفاق. وقالت ليفني إن الأجواء كانت إيجابية في حفل العشاء الذي أقيم في وزارة الخارجية الأميركية ليلة الاثنين، وهو ما يعد بمثابة البداية الرسمية للمفاوضات، بعد ثلاث سنوات من انتهاء المحادثات بالفشل.
 
وقالت رئيسة وزراء إسرائيل السابقة في مقابلة مع وكالة «رويترز»: «نحن الآن بعد أربع سنوات من الجمود، وقد تفاوضنا في الماضي، ولكننا وصلنا إلى طريق مسدود. وأتمنى أن يكون هناك فهم أفضل الآن لحقيقة أنه من مصلحة الشعبين أن يتم التوصل إلى اتفاق ينهي هذا الصراع». إنها كلمات معسولة ووعود إيجابية من جانب ليفني، ولكننا نعلم جيدا أن إسرائيل متمرسة في التلاعب بالكلمات وإضاعة الوقت.
 
ومن المرجح أن يلعب مارتن إنديك دورا مهما في عملية السلام. والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: هل يتعين علينا أن نكون متفائلين أو متشائمين، أو «متشائلين»، على حد قول الروائي الفلسطيني الكبير إميل حبيبي.
 
وفي الآونة الأخيرة، قرأت مقالا ليوسي بيلين نشر في صحيفة «جيروزاليم بوست» في الثاني من أغسطس (آب) الحالي. وخلال هذا المقال، عبر بيلين عن دعمه الكامل لإنديك. يذكر أن بيلين هو مهندس اتفاق أوسلو، الذي أطلقه عام 1992 عندما كان نائبا لوزير خارجية إسرائيل.
 
3 - يتمثل البعد الثالث في موقفنا الحالي في انتشار الكارثة إلى الدول الإسلامية والعربية نتيجة ما يعرف بالربيع العربي. وإذا ما ألقينا نظرة عابرة على عناوين الصحف سوف نرى أن هناك انفجارات في كل مكان يقتل خلالها المسلمون بعضهم البعض. وفي سوريا، غطت أصوات المدافع والدبابات والرصاص على أصوات أجراس المدارس، كما أدت الأزمة في مصر إلى حالة مقلقة من الاستقطاب، مما يذكرنا بقول الله تعالى في سورة المؤمنون «كل حزب بما لديهم فرحون».
 
وكما يقول راشد الخالدي في كتابه «سماسرة الخداع»: «فإن ما تسمى عملية السلام الجديدة ستكون بين سماسرة الخداع من جانب، والفلسطينيين من جانب آخر، أما الحقيقة على الأرض فتتمثل في بناء مستوطنات جديدة كل يوم ومعاناة الفلسطينيين بين الجدران الأمنية والمستوطنات. ولكي نكون صرحاء، يجب علينا أن نعترف بأننا قد نسينا الفلسطينيين وأن نتذكر قول الله تعالى في سورة الرعد (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)».

 

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز