مبادرة السلام العربية في خطر

  • الخميس 2013-05-02 - الساعة 08:29

 

على الرغم من أن المطالبات القطرية السابقة وخلال مؤتمر القمة العربية "بسحب" مبادرة السلام العربية كانت واضحة للكثيرين منا، وخصوصاً "المتعمّقين" في الشؤون القطرية إلاّ أن الدعوة القطرية في حينه انطلت على البعض، وأعتقد (ساذجاً) أن الهدف من هذه الدعوة لسحب المبادرة من سوق التداول السياسي هو "الضغط" على الولايات المتحدة وأوروبا والعالم، والضغط على إسرائيل على وجه التحديد.
 
في حينه إذا كنتم تذكرون اعترضت القيادة الفلسطينية على محاولات سحب مبادرة السلام العربية. وكما في كل مرّة "اعتقد" بعض "المستقطرين" أن الاعتراض الفلسطيني ينطوي على "ميول" سياسية لدى هذه القيادة بالتمسك بها لغايات الإبقاء على عملية السلام بغضّ النظر عن نتائجها، والتمسك بالمفاوضات كطريق وحيد وخيار أوحد.
 
واذا كنتم تذكرون فقد قالت القيادة الفلسطينية في حينه بأن سحب مبادرة السلام العربية لا يعني في الواقع القائم وفي الواقع العربي المحيط سوى الذهاب باتجاه ما هو أقل من هذه المبادرة وما هو دون سقفها السياسي.
 
الآن الأمر أسهل على الفهم مما كان عليه في ذلك الوقت، فما أن طلبت الولايات المتحدة من العرب "إجراء" بعض التعديلات على تلك المبادرة حتى سارع العرب، وخصوصاً دعاة وحماة "الثورات الربيعية" إلى فتح سوق للتبرعات السخيّة من الحساب الخاص بالشعب الفلسطيني وعلى حساب مواقفه وتطلُّعاته وطموحاته وأهدافه.
 
إن الموافقة على "مبدأ" التبادل للأراضي ليس هو الخطر بحدّ ذاته لأن القيادة الفلسطينية نفسها أبدت استعداداً من هذا النوع في "طابا" على الأقل، ولكن الخطر في عدم تحديد المفهوم السياسي المحدد للقبول بهذا المبدأ.
 
فكل الدلائل تشير إلى أن إسرائيل ومن خلال الولايات المتحدة تريد أن "تستخدم" هذا الاستعداد بالموافقة العربية الشاملة بهدف تحويله (أي هذا المبدأ واستخدامه) إلى الغطاء "الشرعي" "لقضم" مناطق كاملة من غور الأردن والبحر الميت وإلى غطاء شرعي لضم الكتل الاستيطانية باعتبار ذلك احتياجات حيوية للأمن الإسرائيلي.
 
كما ستحاول إسرائيل من خلال القبول المبدئي بتبادل الأراضي تحويل كامل مناطق (ما وراء الجدار) إلى مناطق أمنية "منزوعة" من الأرض الفلسطينية "كاحتياج" أمني إسرائيلي كذلك.
 
الفرق ما بين القبول المبدئي السابق لمبدأ التبادل والاستعداد العربي الراهن للقبول بهذا المبدأ كبير وجوهري إلى أبعد الحدود.
الموقف الفلسطيني يعتبر أن هذا القبول المبدئي مرهون أولاً، باعتراف إسرائيل بالسيادة الفلسطينية على كل شبر من الأرض المحتلة منذ العام 1967. وثانياً، اعتراف إسرائيل بأن تطبيق هذا المبدأ هو شأن من شؤون السيادة الفلسطينية وليس على حساب هذه السيادة. أما ثالثاً، فالقيادة الفلسطينية لا ترى في النسبة التي طلبتها إسرائيل (من 7ـ12%) إلاّ تكريساً لمحاولات إسرائيل السيطرة على الضفة الغربية وتقطيع أوصالها بالكامل، حيث يرى الخبراء الفلسطينيون أن هذا التبادل سيُعرّض التواصل الجغرافي في الضفة إلى خطر شديد إذا زادت نسبة التبادل عن 2ـ3% من الأراضي.
 
على صعيد آخر فإن القيادة الفلسطينية ترفض مبادلة الأرض (بغض النظر عن نسبتها) على أساس أن الأرض الصحراوية تساوي الأرض من حيث القيمة التي استولت عليها إسرائيل في القدس ومرتفعاتها وفي بيت لحم والخليل ونابلس ورام الله وغيرها، كما أن إسرائيل قبل كل ذلك وبعده لم تعترف بالسيادة الفلسطينية على أية مساحة من الضفة وغزة ناهيكم طبعاً على هذه السيادة في القدس الشرقية.
 
فلماذا يتم التبرع بقبول هذا المبدأ سلفاً؟ ولماذا لا يكون هذا القبول نتيجة للاتفاق الشامل على كافة قضايا الحل النهائي وليس دفعةً على حساب ما سيقبل به الطرف العربي لاحقاً؟
 
إن مسارعة العرب إلى القبول بالتبادل لن يقف عند حدود الموقف والمحددات الفلسطينية، وهو مستعدٌ لأن يستجيب وبسرعة كاملة لتطبيع العلاقات الاقتصادية قبل الاتفاق على الرجوع إلى طاولة المفاوضات وقبل أن ينتج عن هذه المفاوضات أية نتائج متفق عليها.
 
لهذا كله فإن "عربون" المحبة سيكون زيارات لإسرائيل وزيارات لقيادات إسرائيلية إلى "بلدان جديدة" وستكون "الوعود" الأميركية هي كل ما يطلبه العرب ويطالبون به مقابل العلاقات "الطبيعية" مع إسرائيل والاستجابة "لاحتياجاتها" الأمنية، وكل ذلك قبل موافقة إسرائيل على أي شيء على الإطلاق وقبل الرجوع إلى المفاوضات.
 
وعندما يتم تقديم كل هذه التبرعات وسلفاً فإن الضغوط وبصورة آلية ستتوجه إلى الطرف الفلسطيني، وستنهال على رؤوسهم وحدهم الإرشادات والنصائح والتعليمات، وسيخضعون في ضوء ذلك إلى كل أنواع الابتزازات "ليوافقوا" في نهاية المطاف على "دولة" مقضوم منها ليس أقل من 30% من مساحتها الأصلية تحت ذرائع وحجج مختلفة عنوانها الأمن وجوهرها السيطرة على الضفة ومنع تواصلها وتحويل السيادة الوطنية عليها إلى أمر مستحيل.
 
وفي ضوء كل ذلك فإن القيادة الفلسطينية مطالبة بأن تعلن موقفها من هذه الهرولة العربية باتجاه أميركا وإسرائيل، وقبل أن يتم إفراغ مبادرة السلام العربية من أهم مضمون لها وهو مضمون الاشتراطية، والذي يربط ما بين إقامة علاقات طبيعية مع إسرائيل بالانسحاب الكامل من كل الأراضي العربية المحتلة منذ العام 67 بما فيها القدس الشرقية والموافقة على حل عادل ومتفق عليه لقضية اللاجئين على أساس أو قاعدة القرار 194.
 
وعلى القيادة الفلسطينية أن تسارع إلى كبح جماح كل عرّابي التسوية بالشروط الإسرائيلية والمطالبات الأميركية قبل فوات الأوان، وقبل أن تتحوّل مبادرة السلام العربية من سلاح بيدنا إلى سلاح يوجّه ضدنا.
 
 
 
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز