"أحد الشعانين" في "رام الله التحتا"

  • الإثنين 2013-04-29 - الساعة 08:48

 

في الصباح عادة ما تصلني أصوات تدريبات الشرطة في الكلية القريبة على معزوفات متداولة، تصل أصوات الطبول أولا، الإيقاعات المختلطة المشوشة التي تصفو لتفسح المجال لصعود آلات النفخ والنحاسيات، منذ مدة وأنا اتتبع النغمة وأمشي خلفها، المنعطف والأشجار تحجب مشاهدة التمارين، ولكن الصوت يصل ويواصل بدأب البحث عن منطقة الانسجام حين يتحول العزف الى حوار بين الآلات، في البداية كان تداخل الآلات وتعثر النغمة يشبه مرور فيل غاضب في دكان خزف، ثم بدأ الأمر يذهب نحو تلك النقطة التي تسترخي فيها الأشياء بحيث يمكن تأمل النغمة وهي تسعى بصبر نحو مقصدها.
 
في الشوارع المجاورة، خلف سياج سرية رام الله او اسلامي رام الله او الأرثوذكسي، كان يمكن سماع التمارين التي يؤديها فتيان وفتيات على عتبة الأعياد، حيث سيندفعون في فرقهم وراياتهم وأعلامهم وموسيقاهم نحو شوارع وازقة "رام الله التحتا"، مرورا بكنائس المدينة وعلى عادتها منذ عشرات السنينن، الرجال والنساء الذين اصطفوا على جانبي الطرق، مثقلين بأولادهم الذين تعبوا من حمل الشعانين تحت شمس أحد الشعانين، فحملوها لأمهاتم وأبائهم، أولئك الذين تمسكوا بصبر بحمولاتهم وهم يواصلون السير خلف الموكب، بينما مظلة التراتيل تتجمع مثل "شمسية" حنونة وتهبط شارع السهل، كل هؤلاء تركوا أثر العيد في ضحى المدينة.
 
الشوارع الضيقة التي ما تزال ضجة الأطفال وركضهم عالقة في فضاءاتها، في الساحات الملونة، حيث سعى اطفال المدينة ليومين في احتفال "نوار نيسان"، في نفس الشوارع وعلى نفس البلاط والأرضيات عبرت أصوات الأطفال من جديد.
 
الشعانين الملونة، أغصان النخيل التي لوح بها سكان (أورشاليم) القدس ليسوع وهو يدخل المدينة تبعث ظلالها هنا، النساء المحجبات اللواتي رفعن أطفالهن ليتمكنوا من مشاهدة الموكب وهم يلوحون بجرائد النخل للكشافة، في استعادة ساحرة وغير مقصودة لـ: " طلع البدر علينا من ثنيات الوداع"، حين خرج نسوة ورجال وأطفال يثرب، بجريد النخل والغناء أيضا، لاستقبال النبي المهاجر لحظة دخوله للمدينة، كل هذا بعفويته ونزاهته ونبله العميق، جعل من احتفال "رام الله التحتا" البسيط بـ "أحد الشعانين" تكوينا ثقافيا عميقا وملهما .
 
كما لو أن الموسيقى والاحتفال جزءان من المدينة، لو أصغيت، أو تأملت قدرتها على الحياة، نزعة التجدد التي تسعى في شوارعها وتعزز جمالها الخاص، الذي يبدأ بالمظاهرة والاحتجاج، ولا ينتهي باستدراج ذاكرتها وتاريخها في استعراض حيوي ومتكامل، دون أن تنسى حرفا من اسمها أو أسماء قراها، أو بنتا أو ولدا خارج الاحتفال.
 
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز