حول السلام الاقتصادي

  • الأحد 2013-04-28 - الساعة 10:33

 

 
من قال إن الولايات المتحدة لم تعد تضع مسألة العملية التفاوضية على الملف الفلسطيني ـ الإسرائيلي على قائمة أولوياتها، وأنها مهتمة أكثر بملفات جوهرية، كالوضع في سورية والملف النووي الإيراني، وتداعيات "الربيع العربي"؟ باعتقادنا أن واشنطن لا تزال تمنح هذا الملف جلّ اهتمامها، إلى جانب الملفات الأخرى، لكنها تعلّمت الدرس جيداً من تجاربها السابقة، وأصبحت تتناول هذا الملف وتداوله مع الأطراف الأخرى بعيداً عن وسائل الإعلام لضمان نجاح مساعيها الرامية إلى استئناف العملية التفاوضية. الزيارات التي قام بها الرئيس الأميركي ثم وزيرا خارجيته ودفاعه، ثم قيام زعامات عربية وإقليمية بزيارات العاصمة الأميركية هذه الأيام، ساهمت في تأكيد الاهتمام الأميركي المعلن بكافة الملفات باستثناء العملية التفاوضية، فكل التصريحات من كافة الأطراف تؤكد على أن المباحثات تتعلق بالوضع السوري وبالملف النووي الإيراني، إلاّ أن تسريبات صحافية، أميركية وإسرائيلية تحديداً، تشير إلى أن الجهد الأميركي نحو استئناف العملية التفاوضية يجري على قدم وساق ولكن بسرية مطلقة، خاصة وأن هذا الملف يرتبط بشدة بالملفات المشار إليها.
 
الزيارة الأولى التي قام بها جون كيري فور تعيينه وزيراً للخارجية إلى المنطقة، شكلت بداية لجهد أميركي جديد على هذا الملف، استلزم بناء شبكة من التحالفات العربية والإقليمية للمساعدة على إنجاح هذا الجهد، ورأينا كيف تفوض دولة فلسطين العاهل الأردني بملف المقدسات في القدس المحتلة، ورأينا، أيضاً، كيف تعود المياه إلى مجاريها بين تل أبيب وأنقرة، وتراجع هذه الأخيرة عن شرط العودة إلى التطبيع مع الدولة العبرية بإنهاء الحصار على قطاع غزة، الأمر الذي دفع بأردوغان كي يقرر زيارة قطاع غزة، كرد فعل على هذا التراجع المعلن!!
 
مع تلك الزيارة الأولى لجون كيري للمنطقة، بدأ التخطيط لعقد قمة رباعية، قيل وقتها إنها ستعقد في عمان بمشاركة أوباما وأبو مازن والعاهل الأردني ونتنياهو، وأن العمل يجري لتوسيع هذه القمة لتشمل تركيا ومصر، غير أن ذلك يحتاج إلى مزيد من المشاورات، وعلى الأرجح أن الأمر سيتم مناقشته أواسط الشهر القادم في واشطن بين أوباما وأردوغان، بعدما حمل جون كيري إلى واشنطن بعد زيارته مؤخراً لأنقرة، استعداداً تركياً أولياً للمساهمة في هذه القمة، التي قيل مؤخراً إنها قد تعقد في واشنطن بدلاً من العاصمة الأردنية.
 
وبالتوازي مع هذا الجهد السياسي، عاد الحديث من جديد عن الخطة الإسرائيلية المعروفة بالسلام الاقتصادي، هذه المرة تحمل الولايات المتحدة هذا العنوان كأسلوب جوهري لتفعيل الجهد السياسي، ويمكن فهم الحصار المالي الذي قامت به عدة أطراف على دولة فلسطين مؤخراً، كشكلٍ من أشكال الضغوط للترحيب بمثل هذا "السلام"، الذي يبدو وكأنه إنقاذ لدولة فلسطين من الانهيار، وخشبة الخلاص من الوضع المالي المتأزم الذي شاركت في صناعته إسرائيل والولايات المتحدة، هذه الأخيرة هبّت أخيراً لإنقاذ دولة فلسطين بعدما عملت مع إسرائيل على وصول دولة فلسطين إلى حافة الانهيار الاقتصادي الذي إذا ما استمر، فإنه سيقضي على هذه الدولة العتيدة التي لا تزال بحاجة الى مقومات أساسية كي تصبح دولة ذات سيادة.
 
يعود الجهد الأميركي الاقتصادي على المسار الفلسطيني إلى وثيقة فلسطينية سابقة بعنوان "المبادرة للبنى التحتية الوطنية" والتي وصفتها حكومة فياض باعتبارها مدخلاً للحل السياسي والاستقلال السياسي وليست بديلاً عنه، وهي الوثيقة ـ المبادرة التي رفضها نتنياهو في حينه، عندما وضع المزيد من العوائق أمامها حين رفض الانسحاب من المنطقة "ج" ونقلها إلى سيطرة السلطة الفلسطينية في ذلك الوقت، كما رفض إقامة مشروع سياحي كبير شمال البحر الميت، وكذلك رفضه لتفعيل حقل الغاز على شواطئ غزة أو حتى إقامة مطار فلسطيني، غير أنه قد يعيد نتنياهو حساباته، في اطار الجهد الأميركي، إذا ما تبين له، أن السلام الاقتصادي سيشكل بديلاً دائماً لعملية تفاوضية حقيقية، وتغطية مقنعة، لاستمرار مثل هذه العملية بشكل مستمر وعلى الدوام بدون أن تحقق أي تقدم ملموس.
 
ينطوي "السلام الاقتصادي" بالنكهة الأميركية على أن تقوم شركات أميركية كبرى برعاية المشروع، تستثمر في البنى التحتية والاقتصادية في مناطق حساسة على أراضي دولة فلسطين، وبرعاية من اللجنة الرباعية الدولية، أو على الأقل رئيسها توني بلير الذي لا يظهر اسمه إلاّ في مجال الكوارث الفلسطينية. من بين الشركات الأميركية الكبرى التي ستسهم في هذا المشروع، شركة كوكا كولا، التي يقال إنها تجنّدت لرعاية "السلام الاقتصادي" وربما تحت شعار "افتح تربح"!!
 
ويغيب عن أصحاب الحل الاقتصادي، الإسرائيلي ثم الأميركي، أن العوائق التي قامت بها وتقوم إسرائيل، في المجال الاقتصادي والمالي، ليست مجرد صعوبات يمكن أن تحل من خلال "تسهيلات" بل هي استحقاقات فلسطينية بالدرجة الأولى، ويجب أن تضغط أي قوة تهدف إلى إحياء العملية التفاوضية على إلزام إسرائيل بتنفيذ هذه الاستحقاقات بمنأى عن أي حل آخر، بما فيه "السلام الاقتصادي"، ذلك أن هذا الحل لا يشكل بديلاً بأي حال من الأحوال عن الاستقلال الناجز والتحرر الكامل من ربقة الاحتلال!
 
www.hanihabib.net
 
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز