خطاب مفتوح إلى السيد أردوغان

  • الخميس 2013-04-25 - الساعة 08:04

 

 
السيد المحترم ورئيس وزراء الجمهورية التركية
 
مما لا شكّ فيه بأن تركيا باتت تلعب دوراً هاماً ومتعاظماً على كامل مستوى منطقة الإقليم، وخصوصاً بعد أن حظيتم بثقة وتعاطف ومساندة الشعب التركي وعلى نطاق واسع وغير مسبوق.
 
وحظيت سياساتكم التي تميزت بالتنوّر والانفتاح والعصرية والمكاشفة على مختلف الصعد والمستويات والنجاحات المرموقة في الاطار الاقتصادي والسياسي على احترام شعوب المنطقة ومنها وربما في طليعتها شعبنا الفلسطيني، الذي وجد في تركيا الجديدة قوة إقليمية متعاظمة تزداد تأثيراتها وتمتد وتتحول إلى عنصر وركن أساسي من أركان المعادلة الحسّاسة في هذه المنطقة.
 
ويعود الإعجاب بالسياسة التركية الجديدة إلى عدة عوامل ألقت بظلالها وبصورة واضحة على حجم التأييد والتعاطف الذي تلقته السياسة التركية الجديدة من قبل شعبنا ومن قبل معظم شعوب الأمة العربية وكذلك الكثير من الشعوب الإسلامية.
 
لعلّ من أهم وأكبر هذه العوامل هو النموذج الذي باتت تطرحه تركيا على شعوب هذه المنطقة، وهو النموذج الذي يمكن تلخيص أهم ركائزه بالتمسك بالإسلام كثقافة ورفض تحويل الدين إلى أيديولوجيا سياسية، ما يعني في نهاية المطاف محاولة لإيجاد درجة مقبولة وضرورية من التوازن ما بين العصرنة والأصالة، ودخول معركة المواكبة لمستوى تطور البشرية من موقع سد الفجوة وليس من موقع اللهاث وراء أو في ذيل ذلك التطور.
 
باختصار يمكن أن ينظر إلى التجربة التركية باعتبارها تجربة رائدة في سؤال الهُويّة وفي سؤال التنمية وكذلك في سؤال العلاقات القائمة على المصالح القومية في الظرف التاريخي الملموس. كما يعود تعاطف الجماهير العربية وكذلك ملايين المسلمين في العالم مع التجربة التركية الجديدة إلى درجة الالتزام التركي بالتوجه نحو توطيد العلاقات والروابط التركية وبصورة مدروسة وصادقة إلى المحيط العربي والإسلامي، دون مغالاة أو مبالغة، ودون إقحام ما لا يمكن إقحامه في واقع هذه العلاقات والروابط، ودون التخلي عن التوجه دوماً نحو البحث عن كل الاحتياطات الهائلة في هذه العلاقات. وليس على درجة أقل من ذلك كله هو المقارنة المشروعة التي تجريها شعوب المنطقة ما بين السياسة التركية الحالية على هذا الصعيد والسياسة التركية التي سبقت وصولكم للحكم، وفيما يتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي والمواقف من حقوق الشعب الفلسطيني على وجه التحديد والخصوص.
 
وفي هذا الإطار بالذات فإن حجم الإعجاب الفلسطيني بكم كشخص وزعيم قد ترافق مع درجة انحيازكم الواضح للحق الفلسطيني بل والعمل بصورة مثابرة لمناصرة ومؤازرة هذا الحق في المحافل الدولية.
 
هنا يتذكر شعبنا وقفتكم في "دافوس"، وهو لن ينسى أبداً درجة مثابرتكم في الحصول على الانتصار الذي حققته فلسطين في الجمعية العامة وحضور وزير خارجيتكم الدكتور أحمد داود أوغلو لجلسات الجمعية العامة في ظل غياب معظم المندوبين العرب أو وزراء الخارجية عن تلك الجلسات.
 
ويذكر شعبنا بكل فخر واعتزاز مواقف الدعم لأهلنا في القطاع، ويتذكر حادثة الهجوم على سفينة "مرمرة" باعتباره موقفاً للدفاع عن حق أهلنا في القطاع بالعيش بحرية وكرامة في وجه سياسة الخنق والحصار التي مارستها إسرائيل ضدهم وما زالت.
 
وينظر شعبنا إلى حالة الانقسام القائمة باعتبارها واحدةً من أخطر ما مرّ في تاريخ النضال الوطني من أزمات وصلت في درجة تهديدها للمصالح الوطنية الفلسطينية إلى ما هو أبعد من أي تهديد آخر وألحقت بالأهداف وربما بالحقوق الوطنية من الأذى والأضرار أكثر مما لحق بهذه الأهداف والحقوق حتى الآن أي تهديد آخر.
إن الانقسام يا سيادة رئيس الوزراء الموقر هو تهديد مباشر للهُويّة الوطنية، وهو إسفين سام ينخر في الجسد الوطني. ليست الخلافات والاختلافات السياسية وحتى الأيديولوجية شيئاً طارئاً أو مستهجناً في حركات التحرر الوطني. لكن الانقسام القائم في الساحة الفلسطينية هو مشروع متكامل يكرّس في نهاية المطاف تمزيق الهُويّة الوطنية والشعب والجغرافيا وحتى التاريخ، وهو يمتد ويتسلل من بين الشقوق ليهدم جدار الصمود الوطني.
 
إن أعظم ما حققه شعبنا هو تلك القدرة الفذة على جمع شمله وتأطيره في منظمة التحرير الفلسطينية، وتحويل هذه المنظمة إلى كيانية وطنية راسخة في الواقع الوطني وفي الوجدان الشعبي تماماً كما هي راسخة في الحضور القوي على المستوى الإقليمي والدولي.
 
لقد استطاع شعبنا تحت قيادة المنظمة وعَبرها أن يجمع شعباً كان يبدو أن من المستحيل جمعه، واستطاع شعبنا أن يرسخ حقوقه وأهدافه في ظروفٍ كان يبدو من المستحيل ترسيخها، ولهذا كله فإن الحفاظ على شرعية ووحدانية المنظمة لا تقاس إلاّ بهذه المنجزات التاريخية العظيمة، ولا يجوز أن ينظر إلى وحدة وشرعية التمثيل من موقع حصة هذا الفريق أو ذلك الفريق.
 
لقد بات شعبنا يشعر بحساسية كبيرة تجاه مسألة الانقسام وتكريسه أو المساعدة بأية صورة من الصور على هذا التكريس.
 
إن شعبنا يعرف حق المعرفة مدى حرصكم على الحقوق الوطنية الفلسطينية، ومدى تمسككم بإنهاء هذا الانقسام البغيض، ولكن شعبنا الذي يكنّ لكم كل الاحترام يخشى من أية تداعيات يمكن أن يتم استغلالها من أصحاب المشاريع الانقسامية لتعزيز وتكريس الانقسام.
 
لقد زرت بلدكم الشقيق والصديق في إطار وفد من الكتّاب والصحافيين الفلسطينيين، ولمسنا بصورة لا تقبل الشكّ مدى ما تمثله فلسطين في وجدانكم شخصياً، وفي وجدان الرئيس التركي ووزير الخارجية وكل القيادات التركية التي التقيناها واستمعنا لها وسمعت لنا. كل ما نرجو منكم يا سيادة رئيس الوزراء أن تحوّلوا زيارتكم الى غزة ـ إذا كان لا بدّ منها ـ إلى زيارة لإنهاء الانقسام وأن تستخدموا كل ما لديكم من مهابة واحترام عند كل أبناء شعبنا لطيّ هذه الصفحة السوداء. ونحن نعرف أنكم ستكونون في منتهى الحرص لكي لا يستغلّ أحد هذه الزيارة من أجل أهدافه الخاصة. ودمتم ذخراً لفلسطين وشعبها.
 
 
 
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز