كيف ترسم الخارطة الجديدة للمنطقة....!

  • الأحد 2013-04-21 - الساعة 10:18

 

حتى اللحظة لم تستقر المنطقة بعد لكن ليس من المبكر معرفة شكل هذا الاستقرار فالنتائج هي ابنة المقدمات، ونذر النتائج بدت متحققة وإن اختلف عليها ما بين تسمية الربيع والزهور التي تتفتح وما بين توصيفه كأزمة تزيد من تفتت العرب نحو تمزيق الدولة الواحدة فالعراق لم يعد حامي البوابة الشرقية للعرب كما اطلق على نفسه والجيش السوري يتحطم كما تقول الاستخبارات الاسرائيلية بسعادة غامرة وليبيا تحتاج إلى عقود للاستقرار ومصر تتراجع كدولة مركز كانت يوماً ما بوصلة العرب السياسية.
 
بعد حرب اكتوبر قبل اربعة عقود رأت الولايات المتحدة ان الفرصة مهيأة لتحرك سياسي في الشرق الاوسط، قاد هذه المبادرة وزير خارجيتها الاشهر هنري كيسنجر وقبل أن يبدأ بالزيارة طلب من مستشاريه بعض الاقتراحات التي ستساعده على فك شيفرة المنطقة، قدمت له الكثير من الأوراق لكنه توقف عند واحدة قدمها شاب في الخارجية الأميركية تقول للوزير إن مفتاح المنطقة موجود في عاصمتين القاهرة والرياض مع بعض تفاصيل التعامل مع "خيمتي" الرياض والقاهرة كما سماهما كاتب الوثيقة يقرر فيهما شيخان على طريقة العرب مع النصائح بكيفية التعاطي مع شيوخ القاهرة والرياض أما غير ذلك فلا داعي لأن يضيع الوزير وقته.
 
كانت القاهرة دولة المركز بامتياز، فقد وضع التاريخ والجغرافيا ثقليهما هناك ليجعلاها في مقدمة المشهد العربي ورائدته في الحرب والسلم وفي الفن ايضاً، وعند منتصف القرن الماضي حين كانت تتراجع القاهرة وكان القدر يرسل عبد الناصر ليعيدها إلى تأكيد حكم التاريخ والجغرافيا ولكنها لم تدم طويلاً وتراجعت القاهرة مرة اخرى إلى أن بلغ التراجع ذروته بعد الثورة التي اعطت املاً للكثيرين بعودة مصر بقوة ولكن حجم الازمات الهائلة احدث تراجعاً أكبر للدور المصري ما زاد من حجم الفراغ في المنطقة.
 
ولأن السياسة لا تعرف الفراغ، وحين يتراجع المركز لا بد وأن تتقدم الأطراف وليس هناك شبه بين الاثنين فالمركز دائماً اكثر رصانة، ولم يعد التراكم الحضاري هو منتج السياسة بل اصبح المال هو سيدها وقائدها وملهمها الاول والازمة الابرز أن هذا المال يدخل في منافسات زادت من حدة المأساة العربية ولا يبدو أنه مرشح للانكفاء خلال السنوات القادمة.
 
من الذي يحكم المنطقة او بشكل اصح من الذي يتلاعب بالمنطقة في لعبة الدم والبارود التي تملأ وسائل الاعلام ؟ تدعمها أموال تنتقل بسلاسة تعيد انتاج أزمات من نوع جديد لم تعرفه المنطقة خلال العقود الماضية بل كان محرماً بكل المعاني الوطنية ومدعوماً بأساطيل اعلامية، وحين يضخ المال والاعلام بهذه القوة وفي هذه المنطقة التي تشهد من الفقر والجهل، يجعل هذه الادوات تحقق حاجات مذهلة، فالفقير بحاجة للمال ومسمع الادمغة أسهل حين يتواجد الجهل.
 
ثلاث دول هي من تتحكم بالمنطقة وتسري اموالها في عروق قواها واحزابها وتحاول صياغة انظمتها السياسية، على شكل صراع دائم يزيد من تفتت المنطقة، فالمال السعودي والقطري والاماراتي يعمل في دول الغير بعيداً عن عواصمها وقد وزعت هذه الاموال التي تعتبر سلاحها الأول في الدول على الشكل الذي رسم الخريطة التالية.
 
السعودية التي تعيد انتاج حالة سلفية وهابية فاجأت الجميع في الانتخابات المصرية السابقة حيث حظى السلفيون بنسبة كبيرة لم تكن ظاهرة في المجتمع المصري، ولكن الدعاية الانتخابية التي انتشرت بهذه الكثافة لتغطي مصر كان من الواضح أن دولة كبيرة تقف خلفها وان هذه الحالة تتكرر في اكثر من دولة عربية بحيث اصبح السلفيون جزءاً من مشهدها السياسي.
 
قطر التي تعيش صراعاً هادئاً وقديماً مع السعودية ادركت انه لا يمكن مواجهة هذه الدولة الكبيرة الا بقوة كبيرة منتشرة في العالم العربي فوجدت في حركة الاخوان المسلمين المتعطشة للسلطة بأي ثمن أداة قادرة على مواجهة السعودية، فالمال القطري الذي يوزع بهذا السخاء على فروع حركة الاخوان المسلمين سواء بشكل مباشر كمساعدات وقروض او على شكل مشاريع استطاع ان يعزز قوة قطر ليحولها إلى دولة مركزية في المنطقة فلا حل في اية دولة الا وقطر كانت جزءاً منه.
 
الامارات وهي الدولة التي تنبهت مؤخراً للدور والتي تحاول صياغة نموذج مختلف في المنطقة وفي حالة تضاد مع الاسلام السياسي يعبر عنه من فترة واخرى قائد شرطتها ضاحي خلفان فإنها تحتضن ما تبقى من الانظمة السياسية التي سقطت أو أقصيت لتصبح بأموالها جزءاً من الفعل السياسي في بعض الدول مستندة الى انصار النظام القديم.
 
أما القوى الوطنية في الدول التي تقع خارج اطار اموال النفط فهي في حالة تراجع نتاج نقص التمويل الوطني وفي ظل منافسة مالية على هذا القدر من القوة لا بد وان تسلم الراية البيضاء، لهذا نرى احزاباً تاريخية ورموزاً عريقة هي جزء من التاريخ السياسي للدول ولكنها تتقزم في الانتخابات أمام حالة سلفية مستحدثة او حالة الاخوان المسلمين.
 
هذه هي خارطة المنطقة شئنا أم أبينا، هذا واقع لم تنتجه هزات العامين الاخيرين بقدر ما انه فعل يتراكم منذ سنوات يتراجع خلاله المركز ممثلاً بـ"القاهرة" وتتقدم الأطراف "الدوحة" وما التغيرات التي شهدتها المنطقة والتي كرست صراع دول الخليج الثلاث سوى الاعلان عن هذا الصراع ومن الواضح ان هذه الدول ستستمر في دعمها لأعمدتها في المنطقة ومن الواضح أن هذه الاعمدة ستواصل دورها دون التفكير بدور الدول الداعمة في سياسات بلدانها واستقلالها، فهذا المال سياسي بامتياز وقطر ليست جمعية خيرية ولا الدول الاخرى كذلك والمشهد اكثر وضوحاً في مصر حيث تتصارع الدول الثلاث وهذا مؤشر خطير على المأزق العربي ....القاهرة من المركز إلى الدولة التي تتصارع عليها الاطراف والنموذج معمم ايضاً من غزة لتونس.
 
 
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز