الفقاعة القطرية دال على الحالة العربية !

  • الثلاثاء 2013-01-22 - الساعة 10:10

 

 
  رجب ابو سرية
 
وجدت القيادة الفلسطينية في القمة الاقتصادية العربية المنعقدة في الرياض فرصةً، يمكنها من خلالها أن "تحرج" الأشقاء العرب، المتنصّلين مما التزموا به من قبل في أكثر من قمة عربية، لدعم المشروع الوطني الفلسطيني الهادف إلى انتزاع دولة فلسطينية مستقلة من بين أنياب الوحش الاحتلالي / الاستيطاني الإسرائيلي، والخروج من عنق الزجاجة المالية الخانقة التي تكبّل السلطة، وتشل قدرتها على إبعاد شبح الجوع عن شعب صامد ومرابط في وطنه وعلى أرضه، يواجه منذ نحو خمسة عقود أسوأ احتلال على وجه الأرض!. الموقف العربي، خاصةً موقف دول النفط الغنية، تجاه شبكة الأمان، يكشف إلى أي مدى وصل إليه التردي والانحدار السياسي والأخلاقي العربي، الذي واصل انحداره منذ العام 48 وحتى الآن، حتى وصل إلى نقطة الصفر، فبعد أن شاركت جيوش سبع دول عربية في حرب فلسطين عام 48، وبعد أن خاضت دول الجوار (مصر، سورية، الأردن) أكثر من حرب مع إسرائيل، وبعد أن شاركت حتى دول النفط في حرب العام 73، باستخدام سلاح النفط، وصل الأمر بأكثر من عشرين دولة عربية إلى التمنع عن دفع مائة مليون دولار شهرياً للفلسطينيين (بمعدل 5 ملايين لكل دولة)، والمبلغ الإجمالي يعتبر لدول النفط بالذات مبلغاً تافهاً، يمكن لأي حاكم فيها أن يدفعه على سباق للخيل أو مقابل شراء ناد رياضي في دولة أوروبية أو حتى من أجل تنظيم مسابقة كروية إقليمية أو دولية!. يكشف هذا الموقف عن المستوى الذي انحدرت إليه الحالة العربية، نظراً إلى أن الدعم المالي للسلطة الفلسطينية، ليس الهدف منه بناء نظام مستبد أو أمني عميل، ولكن لسد رمق المواطنين، ولكونه يشكل دعماً سياسياً بالدرجة الأولى، يمكّن السلطة من الاستمرار في قول: لا للسياسة الإسرائيلية / الأميركية، ولمواصلة طريق الكفاح من أجل كنس الاحتلال الإسرائيلي عن الضفة الغربية والقدس وإقامة الدولة الفلسطينية.
 
 ولو كان المال المطلوب من أجل إزاله نظام عربي غير مرغوب فيه أميركياً، لاندفعت أكثر من دولة عربية، ولنشأ سباق محموم بين الخليجيات العربية، التي انخرطت في برنامج تحويل الاهتمام الشعبي العربي من الكفاح ضد إسرائيل، إلى الكفاح الداخلي من أجل إزالة أنظمة وإقامة أنظمة جديدة، ليست أشد عداءً لإسرائيل بالذات ممن سبقها!. 
 
يظهر الفارق بين موقف المملكة العربية السعودية، وهي نموذج الدولة العربية، النفطية / الخليجية، التقليدية، التي سارعت إلى دفع ما التزمت به، بل وتجاوزته، وموقف قطر، الدولة النفطية / الغازية، التي تقود الحراك العربي، منذ أن جنّدت محطتها الفضائية "الجزيرة" قبل سنوات للتحريض ضد أكثر من نظام عربي، وصولاً إلى دعم "الانقلاب" عليه، التي تنصلت حتى الآن، ليس من دفع ما يستحق عليها، ولكن حتى من "لحس" إعلان شيخها عن زيارة رام الله، بعد أن أظهرت له تل أبيب "العين الحمراء"، يظهر الفارق في الموقف، إلى أي مدى أن التغيير العربي، إنما هو يسير في منحدر، وهذا لا ينطبق على الموقف من المسألة الفلسطينية فحسب، ولكن ينطبق على التغيير الجاري في المنطقة العربية بأسرها. لقد كانت فلسطين معياراً للمواقف منذ أن ظهرت القضية الفلسطينية بعد الحرب العالمية الثانية وبالترافق مع إقامة الجامعة العربية، ومع ظهور الدول العربية "المستقلة" عن الاستعمار القديم، وكان الموقف من حرب فلسطين أحد أسباب الثورة المصرية عام 52، التي قادت مجمل حركة التحرر العربية خلال العقود التالية، ولا نظن أن الأمر مختلف الآن، ولكن بـ "الاتجاه المعاكس" على الطريقة القطرية، ولم يكن من قبيل الصدفة أن تبدأ قطر مجرى تغيير الترتيبات والمواقف في المنطقة بهذا البرنامج بالذات، الذي حرض وفتح الكثير من الملفات الداخلية، بهدف التحريض على أنظمة عربية بعينها، تمهيداً لإسقاطها، دون أنظمة أخرى أكثر فساداً وديكتاتوريةً، مثل أنظمة الخليج ذاتها، حيث لم يسبق له أن فتح أي ملف خليجي، والأهم أنه لم يفتح يوماً النار على إسرائيل، بالكشف عن جرائمها التي تنفذها في فلسطين، وكان هدف السياسة القطرية هو حرف اتجاه اهتمام الشارع العربي، توافقاً مع السياسة الإسرائيلية / الأميركية منذ حرب الخليج الأولى بأن الصراع العربي / الإسرائيلي، ليس هو الصراع الرئيس في المنطقة، بل هناك صراعات إقليمية (مع إيران) وطائفية (سنة وشيعة) وإثنية بين العرب والأكراد، الأمازيغ والأفارقة، كذلك داخلية، وهكذا يتعزز يوماً بعد يوم إخراج العرب من دائرة الاهتمام بالملف الفلسطيني.
 
 تبقى هذه الوجهة مجرد فقاعة سياسية، ومحاولة للانقلاب على ثوابت المنطقة، والتي تعتبر مركزية القضية الفلسطينية بالنسبة للعرب أحد أهم تلك الثوابت، والدليل على ذلك أن قطر وأداتها الإخوانية تنجح في إسقاط الأنظمة، لكنها لا تنجح في إعادة البناء، لأنها لا تهدف أساساً إلى الإصلاح، بل إلى الهدم، وإلى تحويل المنطقة العربية كلها إلى منطقة مدمرة وإلى أرض محروقة سياسياً، وما يثبت هذا هو أحوال: العراق، مصر، تونس، اليمن، سورية، ليبيا، التي تحتاج إلى سنوات لإعادة ترتيبها، يكون خلالها التحالف القطري / الإسرائيلي / الإخواني، قد تمكّن في الواقع!. 
 
يبقى أن نقول إن هناك محاولات لإعادة صياغة مفاهيم الوطنية والقومية على أسس مختلفة، مرتبطة "بالبزنس" ويمكن لمن يريد أن يعرف ما نذهب إليه أن يتابع المشاركة القطرية في كأس الخليج 21، حيث كان منتخبها "الوطني" يضم نصف لاعبيه تقريباً ممن تم تجنيسهم على عجل، دون أن يتقنوا لفظ كلمة عربية واحدة، بل وحتى دون أن يغيّروا أسماءهم " سباستاين، ماركو، صموئيل، بابا..." لكن النتيجة كانت واضحة، فمن يسعى للتغيير على عجل، يمكنه أن يحقق نجاحاً سريعاً أو مباغتاً أو محدوداً، ولكن دائماً إلى حين. 
 
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز