أقصر الطرق إلى "المصالحة"؟

  • الإثنين 2013-01-21 - الساعة 07:16

 

 
بقلم: طلال عوكل
 
على فشوش انتهت لقاءات القادة من حركتي فتح وحماس في القاهرة لإحياء عملية المصالحة التي دخلت مرحلة طويلة من الغيبوبة، اللهم من تزايد التصريحات التي تؤكد أهميتها، والتزام كافة الأطراف بتحقيقها.
 
بعد إنجازي المقاومة والسياسة في شهر تشرين الثاني الماضي، كان الكثيرون قد اعتقدوا أن القيادات الفلسطينية ذاهبة ركضاً نحو تحقيق المصالحة، خصوصاً بعد أن استمعوا إلى عديد التصريحات والوعود التي لا تنقصها الجدية، ومن قبل أهرام السياسة الفلسطينية.
 
وكان الكثيرون، أيضاً، قد اعتقدوا أن القيادات الفلسطينية لن تنتظر دعوة من أي طرف عربي، حتى يبدؤوا رحلة العودة عن الانقسام الذي يتفق الجميع على أنه مصلحة إسرائيلية أكيدة، وعلى أنه خطر محدق بالفلسطينيين وقضيتهم، وكان الكثيرون، أيضاً، يتوقعون أن تأتي المصالحة هذه المرة، حقيقة راسخة تشكل بداية مرحلة جديدة تماماً في تاريخ الكفاح الفلسطيني، تتعزز من خلالها وحدة المؤسسة، ووحدة البرنامج ووحدة القرار والعمل.
 
حين تتحدث إلى أي مواطن فلسطيني عن المصالحة التي ينتظرها، فإنه لا ينتظر أشكال وأنواع المصالحة التي يجرى تداولها في الغرف المغلقة، ولا تفعل سوى أن تبقي الجرح الفلسطيني مفتوحاً، كما هو واقع الحال.
 
لست أدري لماذا لا تبادر القيادات إلى مصارحة الشعب بما يتم تداوله في الغرف المغلقة، اللهم إلاّ إذا كان ما يتم تداوله، لا يلبي رغبة وتطلعات الشعب الذي يجري تهميشه، رغم أنه يدفع الثمن؟
 
في الواقع وبناء لما تم الإعلان عنه بعد لقاءات القاهرة التي جرت بدعوة من الرئيس المصري، وليس بمبادرة فلسطينية، لا يخرج عما تم الإعلان عنه قبل حوالي العام، مع تحديد متقارب للمواعيد، يراهن الكثير من الساسة الفلسطينيين على أنها لن تتحقق.
 
رزمة واحدة، هكذا كان الإعلان التنفيذي، مع استبعاد لملف الأمن الذي يقال إنه معقد، وغير قابل للتفكيك. ولكن من يقول لنا، ما هي طبيعة الحكومة التي سيتم تشكيلها، هل هي حكومة سياسية فصائلية أم حكومة مستقلين، وهل سيكون الرئيس محمود عباس هو رئيسها والمكلف بتشكيلها أم أن ثمة تراجعا عن هذه الفكرة التي تم الاتفاق عليها في إعلان الدوحة بقطر؟
 
هل يشكل الاتفاق على معاودة السماح للجنة الانتخابات المركزية للعمل في قطاع غزة، جديداً يعتد به، بعد أن تم ذلك فعلياً في وقت سابق ولكنها توقفت عن العمل بقرار بعد أيام قليلة من فتح مكاتبها في القطاع؟
 
هل هذه هي المرة الأولى التي تتفعل فيها لجان الحريات، والمصالحة الاجتماعية، وهل هي المرة الأولى التي يجتمع فيها الإطار القيادي المؤقت لمنظمة التحرير الفلسطينية؟ ان الجواب بالنفي فما هي الضمانة لأن يجري هذه المرة تنفيذ ما تم الاتفاق عليه مجدداً؟
 
متى ستجتمع قيادات الفصائل الفلسطينية كلها لتشهد مجدداً على ما تم الاتفاق عليه، أم انها معنية بجديد "المصالحة"، لا إقراراً ولا تنفيذاً؟
 
أسئلة كثيرة لا تجد لها جواباً شافياً، ولا يكلف أي طرف نفسه بالإجابة عنها حتى حين تطرح هذه الأسئلة من قبل قيادات الفصائل الأخرى، التي يأتي جوابها غالباً بأن لا علم لها أكيدا بما تمت مناقشته في حوارات القاهرة.
 
يبدو أن المصالحة الحقيقية التي يتطلع إليها المواطن الفلسطيني لم تعد ممكنة التحقيق ولكن هذه المرة ليس بسبب "الفيتو" الإسرائيلي على أهميته، وليس بسبب "الفيتو" الأميركي أو الأوروبي، الذي نتوقع أن الأحداث تجاوزته. ولكن بسبب طبيعة الإرث الذي تركته السنوات الست من الانقسام، والذي يصعب القفز عنه، وتجاوزه إلى الواقع المأمول.
في ضوء تبلور ورسوخ أدوات ومؤسسات الانقسام، فإن الحديث عن المراجعة والحوار الوطني، وإعادة بناء المؤسسات على أسس ديمقراطية، وبشراكة كاملة من الجميع، هذا الحديث يبدو وكأنه خارج دائرة التوقعات السياسية الواقعية. وان مثل هذا الحديث أصبح حديث كتب وجرائد لا أساس له في الحياة العملية.
 
ماذا ننتظر إذاً، ولماذا جاءت صحوة الدعوة للمصالحة متزامنة مع الأزمة المالية ذات الطابع السياسي التي تواجهها السلطة الفلسطينية، ومع تزايد الحديث عن أن الاستعدادات جارية لتحريك عملية السلام والمفاوضات بمبادرة أوروبية وضوء أخضر أميركي، في شهر آذار القادم، أي بعد الانتخابات الإسرائيلية؟ من الواضح أن ثمة رضى أو تطنيشا أميركيا مقصودا، على الدور الذي عاودته مصر، بشأن المصالحة الفلسطينية، فهو من ناحية يشكل حاجة للرئيس المصري قبل الانتخابات البرلمانية، وهو، أيضاً، دور مرغوب لتدجين حركة حماس في إطار يسمح بالادعاء أن الفلسطينيين ذاهبون إلى العملية السياسية وهم موجدون، أو في أسوأ الأحوال دون معارضة عنيدة وفاعلة من قبل حركة حماس. 
 
إذا المصالحة بالأبعاد التي يجري تداولها، تأتي في إطار تحضير الساحة الفلسطينية للاستجابة للمبادرة الأوروبية التي تتم بضوء أخضر أميركي، وكذلك الحال بالنسبة لمعاودة ضخ الأموال إلى خزينة السلطة الفلسطينية.
 
وبالمناسبة فإن قصة حبس الأموال عن السلطة، والإفراج عنها، تبين إلى حد كبير، ودون كثير نقاش أن القرار أميركي بامتياز وأن التنفيذ عربي بامتياز، ما يعني أن القرار العربي لا يزال مرتهناً للسياسة الأميركية. هكذا علينا أن نتوقع أن المصالحة التي تجرى، هي أقرب إلى الاتفاق على إدارة الانقسام، ولإنتاج طرابيش، توحي بوحدة المؤسسة الفلسطينية مع بقاء الحال على حاله على أرض الواقع.
 
إن كان الأمر كذلك فإننا ننصح بأن يعاود الطرفان فتح وحماس الاتفاق على تشكيل حكومة وحدة وطنية على غرار الحكومة العاشرة ولا بأس أن يكلف الأخ إسماعيل هنية بتشكيلها من جديد فيما يتم اقتسام الوزارات والمسوؤليات على نحو يسمح لها بالعمل في الضفة وغزة على أن يخول الرئيس محمود عباس بملف المفاوضات كما جرى سابقاً. 
 
هكذا نكون أمام وضع جديد نسبياً، بما يترك للزمن الفرصة لتغير واقع الحال، عبر انتخابات ديمقراطية قد تنجح في إجرائها في وقت ما دون عوائق، وإلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً.
 
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز