يمتلئون بالفراغ ويتعمقون بالسطحية

  • السبت 2013-01-12 - الساعة 08:07

 

 
يمتلئون بالفراغ ويتعمقون بالسطحية
 
بقلم: آصف قزموز
 
 
ما أكثر الذين اقتصروا في حياتهم على الزغردة في غير موضعها واستخدموها بديلاً عن دائرة الفعل والواجبات الحقيقية المطلوبة منهم، لا سيما في إطار دورهم التاريخي والوطني.
 
باختصار، لازم نعرف أنو طخيخة الأعراس غير طخيخة الميدان، اللي بتعلم يجيب الصيد غير اللي متعلم يزغرد، واللي متعلم يقود بلاد غير اللي متعلم الوعظ والإرشاد، وشتان ما بين رجل الثورة ورجل الدولة إن لم يتعلم الأخيرة أولاً. يعني فن الزغاريد شي والقَنص والصيد شي ثاني. علشان هيك نجد اليوم من خطفوا الثورات واستملكوها من أصحابها ورجالاتها الحقيقيين، يغرقون ويحاولون إغراق بلدانهم وشعوبهم، من خلال منطق، الامتلاء بالفراغ والتعمق بالسطحية.
 
نعم هذا التعبير الرائع الذي اقتبسه الاستاذ محمد حسنين هيكل عن الأديب المصري الراحل كامل الشناوي، لوصف أسلوب حكم الاخوان المسلمين في مصر، من خلال حالة "الامتلاء في الفراغ والتعمق في السطحية"، والتي تتجلى اليوم ليس في أسلوب حكم الإخوان في مصر وحسب، وإنما على امتداد الوطن العربي، بشتى الصور والمظاهرِ والفِكَرْ، الفردية منها والجمعية.
 
فمن ذا الذي يستطيع أن ينكر تجليات هذه الصورة المأساوية في سلوك الإخوان، واستهبالهم للناس والذات. 
 
فها هي حركة الإخوان تشعل مصر بكاملها وعن بَكْرَة أبيها، بعد تفتيتها على يدي مرشدها ومُرسيها، وجوقة الاتباع، فيشغلون الدولة والأمة وبسطاء العامة من الناس عبر إلهائهم بالسطحيات والصغائر، وتعمقهم وإمعانهم فيها، مستترين تحت عباءة الدين والتقوى وفزاعات التكفير والتآمر على حكم الله في الأرض النازل من خلالهم، ليصل استهبالهم هذا حد تشبيه بعضهم للرئيس مرسي بسيدنا يوسف، وتسويق أضاليلهم على الناس في الترويج لمرشحيهم، وتكفيرهم لمن لا ينتخب مرشحيهم أو لا يطيع حكم المرشد والمرسي، وما يتنزله الأخير والأول على الناس من دساتير وأحكام وربما رؤىً في المنام. وكل هذا على حساب الهموم والقضايا الوطنية والمطلبية للناس والاستراتيجية. 
 
وبالتالي يشَغَّلون فضائياتهم ومنابرهم في الجوامع وغيرها، لإبعاد الناس عن القضايا الجوهرية والحقائق المرّة التي يطمسونها عامدين، لكي يمتلئوا طافحين بالفراغ ويدعوا أنهم يُشغِلون حيزاً حقيقياً في الفعل.
 
فعندما يتحدث هؤلاء وأمثالهم ومن هم على شاكلتهم مع الناس عن الدين، انما في الحقيقة يلتهون بالفتاوى وفي النص الديني، وذلك كغطاء وشبكة أمان لهم ولتسلطهم على حقوق وحريات الناس، وهذا يشكل في واقع الأمر وصفاً دقيقاً لكل الفتائين وأصحاب الفضائيات، الذين دأبوا من خلالها على تضليل العامة وإلهاء الناس في القضايا السطحية والتافهة، أو تضليل الناس وتعميتهم، عبر تضخيم وتزوير الحقائق بما في ذلك الافتراء على الناس كذباً وبهتانا، لسوقها على البسطاء والنيل من أصحابها. 
 
ففي غزة كان لهم ذات السلوكيات أيضاً، وأولى اهتماماتهم في الدمغجة على الناس كانت أن يقدموا أنفسهم كمؤمنين ومقاومين وحدهم دون غيرهم، والآخرون من بني جلدتهم ممن ليسوا معهم، كَفَرَة وملحدون وفاسدون ومستسلمون. وهكذا شغلوا أنفسهم والناس بكل هذه التفاصيل وغيرها، ممتلئين بالفراغ حد التخمة، عبر إصدار الفتاوى وإطلاق الأحكام الربانية بتكفير الآخر وإقامة الحَد في غير موضعه، فتاجروا بالأنفاق والأنفال، لتمتلئ الكُروش بالقُروش، وتزداد أعداد الفقراء والمعوزين والقِطَطِ السِّمانْ، خلافاً لشرع الله وأمره بالعدلِ والإحسان، و"كل من عليها فان.
 
 فمن قبلوا بمشروع شارون بقيام دولة بحدود مؤقتة في غزة، بعد أن نهبوا الأخضر واليابس وقوت الناس وعوائد السلطة من الضرائب، رأيناهم بالأمس القريب يتباكون على حق العودة ويضخمون الضجيج والعويل بدعوى أن الرئيس تخلى عنه، للتغطية والتعمية على فِعلتهم ودفع الناس للغوص بها، مع أنهم يعلمون حقيقة الأمر والموقف وحدود وسياقات هذه المسألة علم اليقين.
 
نعم، في بلادنا فلسطين أيضاً، تستطيع أن ترى المتطفلين ليس على الإسلام وحسب، لا بل وعلى الإعلام والسياسة ممن يحظون بالاصطفاء من قبل أمثالهم ومقدميهم، يتكررون في وجوهنا صباح مساء حد التزهيق، ويتحدثون حد التنهيق وفقط لمجرد الحديث وملء فراغ أماكن ليست لهم.
 
 فمثلاً أتحفنا أحدهم بالقول: "لا توجد أزمة مالية وخلينا نتفرج كيف الوزرا عايشين وبيسافروا" ، وكأنما يريد أن تتوقف الحياة الفلسطينية وحتى الوزراء والمسؤولين يتوقفون عن السفر للعمل العام، باعتبار ذلك والسفر فساداً. إحدى مقدمات البرامج الإذاعية، كانت تنتقد باستمرار وجود حفر في الشوارع، ولما بدأت البلدية بالإصلاح أخذت ذات المذيعة تنتقد متسائلةً: هل هذا وقت إصلاح وحفر الشوارع، وليش مسكرين كل الطرق منشان يصلحوا الحفر ؟! يعني عدا عن كل هذا لِعلاك الفاضي والامتلاء بفراغ البرامج الجوفاء، اتحيرنا ياقرعة من وين انبوسِك. هذا، ناهيك عن الكثيرين من نجوم الفضاء والفضائيات الذين يمتلئون بفراغ التنظير والحديث الخالي من المضمون المفيد، متمثلين في كثير من الأحيان حالة الشاعر الذي قال في وصف قومٍ مبحرين على ظهر مركب:
كأنما والماءُ من حولهمْ قومٌ جلوسٌ ومن حولهم ماءُ
 
وفي سورية، ظل المواطن السوري لسنوات طوالٍ عجاف، يقضي جُل نهاره مهموماً بالبحث عن رغيف الخبز أو أسطوانة الغاز، وذلك في سياق وأتون سياسة متعمدة، انتهجها النظام الشمولي الآيل للزوال، بهدف إبعاد المواطن وعزله عن القضايا الجوهرية في حياته والشأن العام. مستتراً في ذلك برفع شعارات وسياسات جوفاء كاذبة تدعي الممانعة والمقاومة والعداء لأميركا وقتال اسرائيل، فكانوا في الحقيقة خير من أبدع في اللاعداء واللاقتال واللاممانعة واللامقاومة، وفي الامتثال لاشتراطات ومصالح اسرائيل وأميركا، بالوَما والفهم على الطايِر. وهو ذات النهج والفعل الذي يطمح الإخوان اليوم للإمساك بالحكم من خلاله وعلى أساسه وربما أكثر.
 
وفي أفغانستان شهدنا تجربة بن لادن وطالبان وهم الى جانب الأميركان، يقاتلون لإخراج السوفييت وضد الكُفرِ والإلحاد، ولما استووا على العرش والحكم، كان التكفير للناس والآخر، باكورة اهتمامهم وأعمالهم، وتدمير الآثار التاريخية وتمثال بوذا، أهم انجازاتهم وأفعالهم من منظورهم، وأعادوا عجلة المجتمع الأفغاني الى الوراء لما قبل عصور الجاهلية، فانصب تفكيرهم وشغلهم الشاغل على السطحيات والشكليات وربما أمور السرخسيات، والفتاوى المعادية للعلم والحضارة، ومنع المرأة من حقوقها واضطهادها حَد حافة الوأد وشفير العبودية وحرمانها من التعليم، متوجين كل هذا بإعلان الملا عمر أميراً للمؤمنين، وكأن المسلمين قد تجاوزوا كل مشاكلهم ولم يكن ينقصهم سوى إعلان الأمير الذي يتولى عليهم، وبالتالي كانت النتيجة التسبب في دمار أفغانستانْ، وشقلبة المجتمع نظاماً وكيانا، ليعودوا من جديد ويخوضوا حرباً جديدة ضد حليف الأمس أميركا، فضاعت فتاويهم بكيسهم وتجربتهم في المهد، وتاجروا بالمحرمات واحترفوا زراعة الحشيشْ، ليجعلوا حال الناس، كلمة " يا ريت اللي جرى ما كان" وعيش يا كديشْ تا يجيك الحشيش.
 
ولعلي لا أبالغ إذا قلت، أن هذه الظاهرة الضلالية، سبق وأن استخدمتها نظم ديكتاتورية آفلة أو آيلة أو قيد السقوط، لا بل وأضافت لها وإلى جانبها، ما اصطلح على تسميتها بنظرية السلم المسلح التي ذاقت بسببها الشعوب الأمَرِّين، حيث جوعت شعوبها وأفقرتهم وأذلتهم بعدما قمعتهم وأضاعت حقوقهم الوطنية والقومية وحتى المطلبية لصالح الأُسَر والطوائف والأحزاب الحاكمة، دخولاً حتى سدرة المنتهى في مربع التوريث البغيض في الحكم الذي كاد أن يعم المنطقة.
 
فالحيز الذي تشغله الفتاوى بالقضايا السطحية والخادمة لسياسات الحكام المستبدين، يفوق بعشرات المرات الحيز الذي تشغله القضايا المصيرية والحياتية المطلبية الهامة، ذات العلاقة بحياة ومستقبل المواطن، ومكانة الشعب وميزان مصالحه بين ومع باقي الشعوب والدولْ، في ذُروةِ هذا الضلال والهَبَلْ.
 
 ولو نظرنا اليوم لكل التجارب الماثلة أو قيد المُثول، لوجدناها قائمة على ذات السلوك والنهج الأجوف. علشان هيك دمرت كيانات ومقدرات ودول، لصالح قيام أنظمة حكم جوفاء، أظهرت مقدماً ديكتاتوريتها وشموليتها الأسوأ من سالفاتها، مع اختلاف النكهة والمرارة وشكل الكرباج المصحوب بدعاوى وفتاوى باطلة وزائفة شكلاً ومضموناً، فسقطوا في الميدان مقدماً قبل أوان الأوانْ، وانكشفت ظهورهم وأنيابهم وزيف ادعائهم بالعداء لإسرائيل والأميركانْ.
 
 وعلى شان هيك وبعد الذي جرى وكانْ، نرى حكاماً يساقون بعد بطشٍ وزورٍ وبُهتانْ، الى المسالخ كالخرفانْ، فلا نالوا رضى الله ولا شعوبهم ولا الأميركانْ. " فبأي آلاءِ ربكما تكذبانْ"، يا سادة ياحكامْ ويا إخوانْ.
 
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز