فتح .. السلطة والتنظيم .. غزة المعقل الأخير

  • الأربعاء 2013-01-09 - الساعة 12:57

 

رضوان قطناني 
 
 
ذوبان الحزب أو التنظيم في السلطة أمرٌ لا يمكن إنكاره في الدول التي يستمر فيها حكم الحزب الواحد مدّة طويلة، نتيجةً لغياب التداول الحقيقيِّ على الحكم، يصبح الحزب أو التنظيم حينها (حزب السلطة) وتتماهى بناه التّنظيمية جزئيا أو كليا فيها،  هذا ما حصل في تونس مثلاً، فلم يعد هناك على الأرض حزب اسمه "التجمع الدستوري الديمقراطي"، كان هناك سلطة باسم هذا الحزب الذي حكم تونس منذ استقلالها عام 1956 حتى سقوط النّظام التونسي أوائل عام 2011م، والأمر نفسه ينطبق على الحزب الوطني الديموقراطي في مصر الذي أسسه السادات عام 1978 بعد حل الاتحاد الاشتراكي العربي، واستمر هو الآخر حاكماً لمصر حتى 2011.
 
المقصود من ذكر هذين المثالين هو تقديم تاريخيُّ يستشهد به على صحّة وجهة نظر كاتب المقال من ذوبان الحزب أو التنظيم في السّلطة وبيروقراطيّتها بعد فترة حكم طويلة، وليس معرض الكلام هنا نهاية تلك التّجربتين، إنّما ما سبق تلك النهاية.
 
في فلسطين كانت فتح منذ قيام السلطة بعد اتّفاق أوسلو عام 1993م إلى عام 2006م حين فازت حماس بالانتخابات التّشريعية الحاكمَ الوحيد، وهي بعد لم تخرج من الحكم كلّيا بعد هذه الانتخابات، فالرئيس ما يزال منها. 
 
و"الحكم الفتحاوي" سابقٌ لقيام السّلطة، فهي كانت القائد الأول للثّورة الفلسطينية ومنظّمة التحرير، طوال ثلاثين عاماً، ورغم أنّ هذه لم تكن سلطة يحسد عليها أصحابها، فهي في الأساس صراعٌ وتشرّد، إلا أن أيّ سلطةٍ تترك في نفس صاحبها أثراً كبيراً في غالب الأحيان، تجعله متمسّكاً بها ومتوّحداً معها، لا سيّما إذا لم يكن هناك من يزاحمه مكانه، ورغم ذلك فلن أخوض في تلك التّجربة، لأنّها ليست ممارسة فعلية للسّلطة على أرض معيّنة. سأتحدّث عن "فتح الحاكمة" منذ 1993م إلى اليوم.
 
قد يحتجّ البعض بأنّ ما منعك من الحديث عن التّجربة الأولى يمنعك من الحديث عن الثّانية، فليست السّلطة الفلسطينية مغنماً، بل هي سلطة مكبّلة لا تمتلك مقوّمات الحاكم الحقيقي، فالأرض محتلّة، والاحتلال يمسك بزمام الأمور فعلياً، ولكنّ الفرق بين التّجربتين واضح، فالسّلطة منذ نشأتها أصبحت حاكماً حقيقياً -في بعض الجوانب على الأقل- على أرضٍ معروفة، مستقرّةً غير متنقّلة، كما أنّها اتّجهت نحو العملية السّلمية وترك العمل المقاوم، بمعنى أن المغرم لم يعد كما كان، بل المغنم هو المسيطر على ذهنيّة البعض.
 
بعد اتّفاق أوسلو دخل الكثير من قيادات فتح والمنظّمة إلى فلسطين، وبدأ "الحكم الفلسطيني" ب "غزّة أريحا أولاً"، ثمّ تمدّد إلى مناطق أخرى من الضّفة الغربية، وبعد فوز فتح الكاسح في الانتخابات التشريعية عام 1996م، بدأ مشهد السّيطرة الفتحاوية على السّلطة جليّاً، وكانت هذه السّلطة تتمدد رأسياً وأفقياً، فرئيس السلطة، والوزراء، والمحافظون، ورؤساء البلديات، والمجالس القروية، ولجان الخدمات في المخيّمات، والمدراء العامون في الوزارات، إضافةً إلى المجلس التشريعي، وغالبية المواقع الحساسة في جسم السّلطة تسيطر عليها فتح بشكل شبه كامل، أضف إلى ذلك أن عناصر فتح انتشروا في جسم السّلطة، فأصبحت السّلطة فتحاويةً رأساً وجسداً.
 
لم تكن آثار هذا الامتزاج ظاهرة في البداية، ولكن مع مرور الأيام، وطول المدّة، وغياب المنافس، أصبح هناك ذوبان للجسم التّنظيمي الفتحاوي داخل السّلطة، فأصبح من الصّعب جدّاً أن تجدَ قيادياً فتحاوياً لا يشترك بصفةٍ أخرى في السّلطة مع صفته الأولى "قيادي فتحاوي"، هذا الذّوبان أدّى إلى تراجع فتح بصفتها تنظيماً جماهيرياً مقابل فتح قائدة السّلطة الفلسطينية. وساعد في ذلك تعزيز فكرة التغلغل والانتشار الجماهيري لدى التنّظيم الفلسطيني المنافس لفتح ألا وهو حماس، الذي لا يمارس أي شكل من أشكال السّلطة في تلك المرحلة.
 
كانت أعراض هذا المرض تظهر تباعاً، دون أن يلقى لها بال في فتح التنظيم، فالجماهير تحمّل فتح مسؤولية كل ما يحدث في أروقة السّلطة على الصُّعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والتّنظيم يفقد كوادره لمصلحة السّلطة، والتنظيم يهتّم بإدارة السّلطة وتحقيق المكاسب من ذلك، أكثر من اهتمامه بتطلعات الجمهور.
 
ورغم عودة الروح الجماهيرية للحركة مع انطلاق كتائب شهداء الأقصى التي لعبت دوراً بارزا في المقاومة خلال انتفاضة الأقصى، إلا أنّ الأمر عاد إلى ما كان عليه مع تراجع الزّخم الشّعبي والعمل المقاوم بعد مرور أربع سنوات على الانتفاضة، لا سيّما في الضّفة الغربية.
 
جاءَت مرحلة جديدة وهي الانتخابات الفلسطينية التّعددية، وكان فوز مرشح فتح أبو مازن في انتخابات الرئاسة التي شهدت مقاطعة حماس المنافس الأكبر لفتح، ليلعب هذا الفوز دوراً تخديرياً وتطمينياً في غير محلّه لفتح، التي استيقظت صبيحة 26/1/2006م على خسارةٍ مدوّية في الانتخابات التشريعية، لتكون هذه الخسارة هي العرض الأكبر والأوضح لذوبان فتح التّنظيم في السّلطة.
 
دخلت الساحة الفلسطينية بعد ذلك في صراع مرير، سيطرت معه حماس الفائزة في الانتخابات على قطاع غزّة، أما فتح فحالها كحال الخلفاء العباسيين، يُحكم باسمها في الضّفة ولا تحكم، وتتحمل مغارم ما يحصُل على السّاحة هناك دون مغانمه، هذا هو الراسخ في ذهنية الجماهير، والأدهى من ذلك بالنّسبة لها أنها لم تستعد جماهيريتها –وهذا يتضّح جليا من مشاهدة الجموع الهزيلة في مهرجانات فتح-، فلا هي أمسكت السلطة واقعاً، ولا هي استعادت زخمها الجماهيري.
 
وللمفارقة فإن فتح في غزّة –التي يفترض أنها مقموعة ومحظورة- نجحت في تحقيق أحد المطلبين، ألا وهو استعادة الزخم الجماهيري، وهذا يتضح من خلال مهرجاناتها كذلك، ومهرجان السرايا شاهد على صوابية هذا الكلام.
 
المطلوب من فتح الآن أن تتدارك ما فات، فتستثمر غيابها القسري عن السّلطة في الضّفة والقطاع، لتعيد لنفسها بريقها الشّعبي القديم، وتستعيد شبابها وحركيّتها قبل أن يفوتَ الوقت، وأن تدركَ أنها تواجه تحدّياً حقيقياً يهدد كيانها، ألا وهو الانفصال عن الشّارع الذي يعطي الدعم والشّرعية والسّلطة الحقيقية.
 
وفي الاتجاه نفسه يجب أن تعلم حماس أنّها ليست معصومة، وأنّ النّتائج ستكون مشابهة إذا تكررت الأسباب نفسها، فيجب عليه ألا تتماهى مع السّلطة في غزّة، وأن تفصلَ فصلاً واضحاً بين الأمرين، فلا يجوز مثلاً أن يصرّح وزيرٌ في الحكومة باسم حماس، أو العكس. ولا يجوز أن يكون لحماس سيطرة على كلّ شيء في السّلطة بغزة، سواءً على مستوى الرأس أو الجسم.
 
وآخر ما يجب التّأكيد عليه هو أنّ الاستفراد وغياب تداول السّلطة خطرٌ حقيقيٌّ، لا على المجتمع فحسب، بل على من يمارس الاستفراد أيضاً.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز