نصوص العزلة والرصيف

  • الثلاثاء 2013-01-08 - الساعة 08:17

 

نصوص العزلة والرصيف
 
بقلم: زياد خدّاش
 
 
راتب الغامض المبحلق
منذ الصباح أفكّر في راتب، قبل عشرين عاماً جاء من قرية بعيدة وبسيطة إلى رام الله مهندساً يبحث عن عمل، لم يوفّق راتب في العثور على عمل، بعد كل مقابلة كانوا يقولون له: أنت تحملق كثيراً فينا قبل أن تجيب، أنت تلبس ملابس لا تناسب عملنا، في عينيك غموض لا يناسب وضوح عالم أرقامنا، أنت تمشي بطريقة تحرج زبائننا.
منذ الصباح أفكر في راتب.
جلست كثيراً مع راتب في شرفة نقابة المهندسين برام الله، ضحكنا وصمتنا وأعجبنا معاً (ببطل من هذا الزمان) لليرمنتوف، وقفنا وثرثرنا وشربنا القهوة والجعة خلسةً، ونظرنا إلى الناس تحتنا. وبكينا معاً على أصدقاء شهداء تركونا ومضوا إلى الخلود.
منذ الصباح أفكر في راتب، ربما لأنني رأيته بالصدفة أثناء مروري، أمس، بالسيارة في الشمال، يجلس بجانب حمار وكلب وغنمتين وخيمة وأربع دجاجات، وكثير من الفراغ والتراب والصخور، وينظر صامتاً وثابتاً إلى الوادي، عرفته فوراً، وأكد ذلك مضيفي مبتسماً: هذا المهندس راتب.
منذ الصباح وأنا أفكر في راتب.
- "في عينيك غموض يناسب غموضي يا راتب" أقال له الوادي ذلك؟. منذ الصباح أفكر في راتب.
منذ الصباح وأنا أحلم أن أكون راتب.
*** 
إحنا إللي مش حلوات
أفكر في المرأة الثلاثينية غريبة الأطوار، التي أوقفتني في الشارع فجأة: "أستاذ كيفك؟ مش حضرتك كاتب؟، ممكن طلب؟ معلش، أنا مش مجنونة بس تعبانة اشوي، ممكن تحشيني في إحدى قصصك؟ بعرف أنا مش حلوة، زي ما إنت شايف، بس الحياة فيها الحلو ومش الحلو، صح؟ وأنت بتكتب الحياة زي ما حكتلي (هيام)، فاكتبني امرأة في قصصك، اكتبني مجازاً للجانب غير الحلو في الحياة، إحنا المش حلوات مظلومات في الحياة، والله كمان في كتابات الأدباء مظلومين، كون مختلف يا أستاذ وأنصفنا".
قالت لي الثلاثينية ذلك ومشت دون أن تنتظر إجابتي، تاركةً وجهي يتناثر في مهب صمت.
حاولت بالطبع أن أتذكر (هيام) فلم أفلح.
*** 
وسقطت السكين
قالت: أترقص؟ قلت: هيا نرقص.
اتخذنا وضع رقصة، فهبت ريح مفاجئة وخطفت خطواتنا وبلعتها.
قالت: أتغني؟ قلت: هيا نغني.
اتخذنا حالة غناء، فرفرفت سكين، وخطفت صوتينا وشقته أنصافاً أنصافا.
قالت: أترسم؟ قلت: هيا نرسم.
واتخذنا هيئة لون، فهجمت حرب ودمرت إطار اللوحة.
قالت: أتكتب؟ قلت: هيا نكتب.
اتخذنا صورة كتابة، فهجمت الشرطة على القلم وحطمته.
قالت، أتحلم؟ قلت: هيا نحلم.
حلمنا وحلمنا وحلمنا، فانكسرت الحرب واختفت الشرطة وماتت الريح وسقطت السكين.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز