عيدٌ بأيَّةِ حالٍ عُدْتَ يا عيدُ..

  • السبت 2013-01-05 - الساعة 07:54

 

عيدٌ بأيَّةِ حالٍ عُدْتَ يا عيدُ.. 
 
بقلم: آصف قزموز
 
 
هكذا داهمنا العام الجديد بأعياده، مصحوباً بمنخفض مالي عميق، هز أركان المجتمع الفلسطيني الملبد بالغيوم والأزمات والمنخفضات السياسية والمالية، التي تعبر أجواء دولتنا الوليدة هذه الأيام، وكأنما تخرج لسانها لنا ولشاعرنا العربي أبو الطيب المتنبي، الذي استهل قصيدته الشهيرة قائلاً:
 
عيدٌ بأيةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ بما مضى أم لأمرٍ فيكَ تجديدُ
أما الأحبةُ فالبيداء دونهمُ فليتَ دونكَ بيدٌ دونها بيدُ
جودُ الرجالِ من الأيدي وجودهمُ من اللسان فلا كانوا ولا الجودُ
صار الخِصِيُّ إمام الآبقينَ بها فالحُرُّ مُستَعبدٌ والعَبدُ معبودُ
نامت نواطير مصرَ عن ثعالبها فقد بَشِمْنَ وما تفنى العناقيدُ
 
فعيد الفلسطينيين بالعام الجديد، لم يكن أقل سوءاً وخذلاناً من حال أبي الطيب مع كافور الإخشيدي، ولا لسان حالهم أقل طولاً من لسان حاله المكلوم.
 
مجموعة من العلماء، وضعوا خمسة قرودٍ في قفص، وفي وسط القفص وضعوا سُلَّماً علَّقوا في أعلاه قطفاً صغيراً من الموز، وفي كل مرة يتسلق أحد القرود السلم لأخذ الموز، يقوم العلماء بِرَش باقي القرود الأربعة بالماء البارد. وبعد تكرار هذه العملية لمدة من الزمن، أصبح كل قرد يصعد السلم لأخذ الموز تقوم باقي القرود بمنعه وضربه لكي يتجنبوا رشهم بالماء البارد، وبعدها لم يعد يجرؤ أي من القرود الخمسة على صعود السلَّم لأخذ الموز برغم كل المحفزات والإغراءات المقصودة، وذلك خوفاً من الضرب والرش بالماء البارد.
 
ثم قاموا بتبديل أحد القرود الخمسة ووضعوا مكانه قردا جديدا، فكان أول ما قام به القرد الجديد هو صعود السلم لأخذ الموز، ولكن سرعان ما انقض عليه القرود الأربعة الباقين وانهالوا عليه بالضرب وأجبروه على النزول. وبعد عدة مرات من الضرب يفهم القرد الجديد بأن عليه أن لا يصعد السلَّم مع أنه لا يدري ما السبب.
 
مرة أخرى قام العلماء بتبديل أحد القرود القدامى بقردٍ جديد، وتكرر معه ما حلَّ بالقرد البديل الأول، الى درجة أن القرد البديل الأول شارك الى جانب زملائه بضرب القرد الجديد وهو لا يدري لماذا يَضْرُب.
 
 واستمرت عملية تبديل القرود حتى تم تبديل جميع القرود الخمسة الأوائل بقرود جديدة، وأصبح في القفص خمسة قرود لم يُرَش عليها ماء بارد نهائياً، ومع ذلك استمر جميعهم يضربون أي قرد تسول له نفسه صعود السلَّم، بدون أن يعرفوا ما السبب.
 
هكذا تتم صناعة الاستكانة والخنوع والتبعية وليس الغباء وحسب. وهكذا يضربوننا بعض العرب ويعاقبوننا أحياناً سواء بحكم العادة أو سوء التقدير والاستقراء لما يرغب به الآخرون من سادة السياسة والنفوذ، ومن دون الحاجة لرشهم بالماء أو تعرضهم للضرب. 
 
علشان هيك يا سادة يا كرام، أكد على مسامعي أحد المسؤولين السامين جداً في بلادنا وأنا أثق به جداً، أن أميركا بريئة مما يشاع بأنها هي من يضغط على العرب ويمنعهم أن يدفعوا استحقاقات شبكة الأمان المالي للفلسطينيين، وأنها على العكس من ذلك، تضغط بالاتجاه المعاكس لما اعتقدنا، لكن يبدو أن بعض العرب هم الذين يصرون على موقفهم في عدم الدفع وتضييق الخناق المالي والسياسي علينا. 
 
ومعنى ذلك يبدو أن هذا البعض من العرب، فاهمين الأميركان غَلَط واستقرؤوا موقفهم غلط ومفكرين إنه الضغط المالي علينا هو مطلبهم.
 
 لذا بادروا فوراً لقطع المساعدات عن شعبنا في هذا الظرف بالذات، وبالتالي لا بد أن نسعى لتصحيح هذا التقدير الخاطئ والاستقراء المغلوط، عسى أن يغيروا موقفهم ويفرجوا عن الالتزامات الخاصة بدعم شعبنا.
 
 لكن هيهات في حال صحت الأقوال بأن العرب ينوون ارجاء بحث موضوع شبكة الأمان المالي العربية لحين انعقاد القمة العربية القادمة في شهر آذار المقبل، يعني يا شباب بدكوا تْرِنُّوا ثلاث شهور بدون رواتب وِتْعيشوا مْسَمْلِحين على الحميد المجيد، ويا عالم. والأسفل من هذا كله، أن البنوك في بلادنا نازلة شف فينا وفي الحكومة وبتوخذ كامل فوائدها وأقساطها على دايِر بارة منا ومن الحكومة، لأنه زي ما انتو عارفين عدم المؤاخذة، الحكومة عليها قروض واحنا علينا قروض ولازم انْحِس بِقْروض بعض، وبصراحة لو مشروع السلطة مربح ومش مديون، بيجوز كان حجزوا عليها لعدم سداد الأقساط، اللهم الاَّ إذا بيجي واحد قلبو قوي وبعرض خصخصتها بعدما تم إخصاءها وبيشتريها كوم حديد مع ديونها بسعر ولا في الأحلام، وساعتها خلي دعاة حل السلطة ايْحَنُّوا ايديهم واجريهم وقفاهم إذا بِيْطولوا. 
 
 
وقيل أن رجلاً مستشرقا، زار بلادنا مؤخراً، فعاد لبلادهِ مُستغرِبْ. وقيل أن الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل العربي الذي جاء فلسطين مستشرقاً عاد هو الآخر مستغرباً، مع أنه لم يبدِ أي إشارة أمل للشعب الفلسطيني في تقديم أي دعمٍ يذكر لانفراج الأزمة وفك أسر الموظفين في العيد وعلى أبواب العام الجديد، الأمر الذي يفسد رواية استغرابه من سوء أوضاعنا. مذكرين أن العرب كانوا قد اتخذوا قراراً في قمة بغداد، بتوفير شبكة أمان مالي بقيمة 100 مليون دولار، وجرى تأكيد القرار بصلية من قرارات وزراء الخارجية لثلاث مرات على التوالي امتدت ما بين الدوحة ومصر، ولكن ما زال لسان حالنا البائس وكأنه يقول على لسانهم "إلْكُم وألله كريم" وعيش يا كديش تا يجيك الحشيش، مع أن الكُدُش تكثر في غير بلادنا.
 
القضية اليوم لم تعد مجرد أزمة مالية، وربما نكون اليوم أمام نكبة جديدة لا تقل ضراوةً وتآمراً عن نكبتنا في العام 1948 بذات مكوناتها وأطرافها وإن بِحُلَلٍ ومساحيق جديدة. فها هي محاولة عرقلة وإفشال استكمال مشروعنا الوطني في قيام دولتنا للدفع بمشاريع وصيغ فئوية ضيقة، وها هو الشعب الفلسطيني يُذبح من جديد على دَكَّة غَسْلِ الخصم بأشكالٍ وصنوف عذابٍ مختلفة المصادر والتجليات، ما يعيد اليومَ الى الذاكرة، قول الشاعر الفلسطيني ابراهيم طوقان في قصيدة الحبشي الذبيح:
 
بَرَقَت له مسنونةٌ تَتَلَهَّبُ أمضى من القدر المتاح وأغلبُ
حَزَّت فلا حد الحديدِ مُخضَّبٌ بِدمٍ ولا نَحْرُ الذبيحِ مُخَضَّبُ
قالوا حلاوة روحهِ رَقَصَت بهِ فأجبتُهُم ما كل رقصٍ يُطرِبُ
هي فرحة العيد التي قامت على ألمِ الحياة وكل عيدٍ طيبُ
 
هل هو قدر الشعب الفلسطيني أن يظل ذبيحاً بسكين الأقربين والأشقاءْ، ليُقَدم وليمةً للأعداء والخُصوم على السواءْ. فالشعب الفلسطيني الذي يعاقب اليوم بهذه القسوة والجبروت والتجبر من قبل القريب والبعيدْ، مفسدين عليه حياته وفَرحة العيدْ، انما يُعاقب اليوم على قرار التوجه للأمم المتحدة الذي صوت الى جانبه كل العرب، سواء من كان منهم على مضض أو مكرهاً، وبالتالي هم مسؤولون ومطالبون بكل المعاني والدلالات والأبعاد، للوقوف الى جانبنا في هذه المحنة العصيبة والأزمة العميقة، والتي أقلها تفعيل شبكة الأمان العربية 100مليون دولار بشكل فوري وعاجل.
 
أي شعورٍ تريدون أن ينتاب المواطن الفلسطيني وحتى العربي، وهو يستمع لمستويات الرخاء العربي، ووفرة المال والثروات غير المسبوقة في ظل ذبحه وطحنه مسربلاً بدمه وجوعه وفقرهِ المقصودْ وبلا حدودْ، اضافة الى أن العرب يصرفون أكثر من مليار دولار شهرياً لحساب الجيش الحُر في سورية، وغيرُه الكثير الكثير.
 
 اللهم لا حَسَد ويكثِّر الخير على كل الشعوب العربية. وعلى راي الفنان عادل إمام "الله يِعْدِمكوا هالشعوب علشان ترتاحوا مِنها ومن هالهَم اللي اسمُه خميس.
 
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز