الآثار القانونية "لشهادة ميلاد فلسطين"

  • الثلاثاء 2013-01-01 - الساعة 12:49

 

الآثار القانونية "لشهادة ميلاد فلسطين"
 
بقلم: ناصر زيدان
 
 
خطابه الشهير أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 29/11/،2012 اعتبر الرئيس الفلسطيني محمود عباس قرار الجمعية بمنح عضوية دولة مراقبة لفلسطين في الأمم المتحدة بمرتبة “شهادة ميلاد لفلسطين” . والقرار المنوه عنه، صوت معه 138 دولة عضواً، مقابل معارضة الولايات المتحدة الأمريكية و”إسرائيل” وكندا والتشيك و(5) من الدول الصغيرة التي تدور في فلكهما، وامتناع 41 دولة عن التصويت (يُعدّ امتناعها تسهيلاً لمهمة تمرير القرار) .
 
في22/11/1974 صدر عن الأمم المتحدة القرار رقم 3236 يعترف للشعب الفلسطيني بحق تقرير المصير وإنشاء دولة مُستقلة وسيدة . وعلى إثر إعلان المجلس الوطني الفلسطيني للاستقلال في مؤتمر الجزائر العام 1988 تبنَّت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار 177/،43 واعترفت بموجبه بدولة فلسطين، ومنحتها صفة مراقب في الأمم المتحدة، على أن تُمثلها “منظمة التحرير الفلسطينية” وليس حكومة . صوت مع هذا القرار 104 دول وعارضته دولتان، وامتنعت عن التصويت 40 دولة .
 
ما الفرق بين القرارات السابقة وقرار 29/11/2012؟
قرارات الاعتراف السابقة اعترفت بالحق بإنشاء دولة فقط، وبالاستقلال الفلسطيني غير الموجود، وبعضوية مراقبة بالأمم المتحدة، تمثلها منظمة وليس دولة، والفرق كبير بين الاعتراف بمنظمة التحرير بصفة ممثل شرعي ووحيد، وبين الاعتراف بالحكومة الفلسطينية برئاسة محمود عباس بصفته ممثلاً للدولة الفلسطينية، وبين وضعية المنظمة ووضعية الدولة فرقٌ كبير في القانون الدولي العام .
 
مفهوم الدولة في القانون الدولي يعني وجود شعب وأرض (إقليم ) وسلطة، وبالتالي تتكون الشخصية الدولية، بعد أن يتم الاعتراف الدولي بها، وخصوصاً من المنظمة الدولية الأم، عَنيتُ “هيئة الأمم المتحدة” . وهذا ما حصل لفلسطين أخيراً، بصرف النظر عن صفة “دولة مراقبة” في الأمم المتحدة، أو دولة كاملة العضوية، فالشخصية الدولية لفلسطين تحققت بفعل الاعتراف بالدولة، وليس مهماً كيف تكون وضعيتها في المنظمة الدولية، فهناك دول عدة معترفٌ بها، وليست أعضاء في الجمعية العامة للأمم المتحدة نهائياً .
 
كان يمكن للاجتماع الدولي التاريخي في 29/11/،2012 أن يُعطي العضوية الكاملة في الأمم المتحدة لفلسطين لولا الضغوط الهائلة التي مارستها الولايات المتحدة على الرئيس الفلسطيني، ليقبل مرحلياً بطرح التصويت على العضوية المراقبة فقط، وهذا الأمر فضح الانحياز الأمريكي الدائم إلى جانب الغطرسة “الإسرائيلية”، وفوَّت فرصة كبيرة على واشنطن، كان يمكن أن تُحسِّن من خلالها صورتها أمام العرب .
 
ما الآثار القانونية للقرار الدولي الأخير ؟
أصبحت السلطة الفلسطينية من أشخاص القانون الدولي العام، وبالتالي لم تعُد “سلطة” - وفق تسمية أوسلو العام 1994- كذلك بطبيعة الحال لم تَعُد “منظمة تحرير” - وفقاً لتسمية العام 1988- وأصبح بإمكان الدولة الفلسطينية بموجب الاعتراف الدولي أن توقّع المعاهدات الدولية، وأن تنتسب إلى المنظمات الدولية، وأن تتقدم بالشكوى إلى المؤسسات الدولية التي لا تقبل الشكوى إلاَّ من الأشخاص الدوليين (أي الدول والمنظمات الدولية) .
 
ولعلَّ الأثر الأهم في سياق انعكاسات القرار الدولي، هو حق الدولة الفلسطينية بعد اليوم بالانضمام إلى معاهدة روما للعام 1998 التي تمَّ بموجبها إنشاء المحكمة الجنائية الدولية، وهذه المحكمة هي التي تلاحق مُرتكبي الجرائم الدولية، وأهمها: جرائم الحرب، وجرائم الإبادة، وجريمة العدوان، والجرائم ضد الإنسانية، وكل هذه الجرائم ترتكبها “إسرائيل” بحق الشعب الفلسطيني .
 
المادة 13 من نظام المحكمة الجنائية الدولية تنصُ على أن الملاحقات ضد مرتكبي الجرائم الدولية تتم بواسطة إحالة من دولة عضو، أو من مجلس الأمن الدولي إلى مدعي عام المحكمة . وهذا الأمر كان يحوُل دون عرض جرائم “إسرائيل” أمام المحكمة، لأن فلسطين لم تكُن دولة عضواً (أصبح بإمكانها أن تكون كذلك)، ومجلس الأمن لا يُحيل جرائم “إسرائيل” بسبب الفيتو الأمريكي . وبالتالي كانت جرائم قادة “إسرائيل” تذهبُ من دون مُساءلة، ويكتفي المجتمع الدولي بتشكيل لجان تحقيق، ليس لتوصياتها أية قوة مُلزِمة . كما حصل مع لجنة التحقيق في جرائم مخيم جنين العام ،1999 ولجنة “غولدستون” التي حققت بجرائم غزة في العام 2009 .
 
بالرغم من عدم الاحترام الذي يتعامل به قادة الكيان “الإسرائيلي” مع الشرعية الدولية، وعدم الانصياع للقرارت الأممية، لاسيما القرار رقم 195 (الذي ينص على حق العودة) والقرار رقم ،242 والقرار رقم 338 . يبقى لقرار اعتبار فلسطين دولة مراقبة، قوة قانونية دولية كبرى، ويفتحُ أمامها مجالات سياسية ودبلوماسية وقضائية واسعة للدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني، ويُسهم في فضح الممارسات العدوانية، وقد يَحدُ من العربدة “الإسرائيلية”، بالتكامل مع قوة الردع العسكرية المهمة التي برزت أثناء العدوان على غزة في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي .
 
إن الاستخفاف “الإسرائيلي” بالقرار الدولي، والإعلان عن إنشاء 3000 مستوطنة جديدة في الضفة الغربية والقدس الشرقية، لن يبقى إلى الأبد، مهما تعاظمت سياسة الحماية التي تمارسها الإدارة الأمريكية لحماية المعتدين .

 

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز