ما الذي يدور في الخفاء؟

  • الإثنين 2012-12-31 - الساعة 13:21

 

ما الذي يدور في الخفاء؟
 
كتب: طلال عوكل 
 
لا بد أن السلطة والمنظمة والرئيس محمود عباس، والسياسة الفلسطينية عموماً يواجهون أمراً جللاً، حتى يهدد الرئيس بحل السلطة الوطنية، أو تسليمها إلى نتنياهو. وإضافة إلى النفي الذي صدر عن الدكتور صائب عريقات، بشأن احتمال حل السلطة على الأقل في الظروف الراهنة، فإننا نعتقد أن تصريحات الرئيس إنما تعبّر عن درجة عالية من الاحتجاج، أكثر مما أنها تعبّر عن بحث حقيقي في موضوع بقاء أو رحيل السلطة كخيار، فهذه مسألة وطنية، تحتاج إلى نقاش وطني جدي ومن نوع مختلف وفي إطار جملة من الخيارات.
 
نعلم أن السلطة تُعاني أزمة مالية، تفرضها بالأساس الولايات المتحدة وإسرائيل، ويفرضها العرب الذين تعهدوا في قمة بغداد، ثم في اجتماع الدوحة مؤخراً، بأن يوفّروا للسلطة شبكة أمان مالية، لكنهم تخلّفوا بشكل جماعي عن الوفاء بهذا الالتزام.
 
الدكتور نبيل العربي، قالها بصريح العبارة، لكنه لم يشرح الأسباب التي تدعو العرب للانضمام إلى القوى التي تمارس عملية ضغط وابتزاز مالي للسلطة، ولم يشرح الأسباب التي أدت إلى امتناع وزراء الخارجية العرب عن الذهاب إلى رام الله، وقيل إنهم من هناك سيعلنون عن مبادرة جديدة تتعلق بالمفاوضات والعملية السلمية.
 
لا يصدق أحد أن وزراء الخارجية العرب كانوا سيذهبون إلى رام الله لتهنئة الرئيس عباس والسلطة بعد الإنجاز الذي تحقّق في الأمم المتحدة بشأن مكانة فلسطين، ولا نظن أيضاً أن هؤلاء كانوا سيذهبون إلى رام الله في إطار رغبة بعضهم في تطبيع العلاقة مع إسرائيل، فالدخول إلى رام الله، سيكون عبر الحواجز والموافقات الإسرائيلية، وليس كما هو حالهم عندما قاموا بزيارة إلى قطاع غزة بعد العدوان الإسرائيلي الأخير.
 
ونعلم أيضاً أن أمير قطر، قرر تأجيل زيارته، وربما يمتنع عن القيام بها، لأسباب بروتوكولية، أو شكلية، أو لأنه يرفض تحميلها على مبدأ التطبيع، إذ لا بد أن تكون هناك أسباب سياسية، يسعى العرب إلى تحقيقها، والحصول على موافقة الرئيس والقيادة الفلسطينية عليها قبل أن يقوموا بزيارتهم، وقبل أن يقدموا للسلطة ما تحتاجه من المال.
 
الأمر غريب إلى حد كبير، ففي أوقات سابقة، كانت إسرائيل تبدي حرصاً على أن تقوم الولايات المتحدة، بتوفير المال للسلطة، وأن تسمح للممولين بأن يقدموا التزاماتهم، وكانت إسرائيل أيضاً تبادر إلى تحويل أموال المقاصة للسلطة حين تواجه أزمة مالية أقل وطأةً من التي تواجهها هذه المرة.
 
وحين كانت إسرائيل تهدّد بمنع تحويل مستحقات السلطة المالية، كانت الولايات المتحدة تحثها على تحويل هذه الأموال، فيما كانت الدول الأوروبية ملتزمةً بتقديم ما يترتب عليها من التزامات مالية، فما الذي حصل حتى تتوافق كافة الأطراف، الأوروبية والأميركية والإسرائيلية والعربية، على وقف تحويل الأموال للسلطة بما يهدد قدرتها على الوفاء وبالحد الأدنى من التزاماتها؟
 
ثمة ما يُحاك في الخفاء، ويستوجب من السلطة إبداء الاستعداد لتقديم التنازلات التي يستطيع الرئيس عباس القبول بها، وإلاّ لما كان هذا الصمود الفلسطيني، ولما كان هذا الحصار الذي تفرضه كافة الأطراف على السلطة من باب المال وربما أيضاً يجري توظيف وسائل أخرى في إطار ممارسة الضغط والابتزاز.
 
يقال إن الإدارة الأميركية بعد فوز أوباما بولاية ثانية، قد أوكلت للاتحاد الأوروبي، القيام بدور أكثر فاعلية تجاه إحياء عملية السلام، وأن هذه بصدد إعداد مبادرة سياسية تقوم على فرض الحل على الأطراف من ناحية وتتجاوز مسألة المفاوضات المباشرة من ناحية ثانية. 
 
مثل هذه المبادرة التي لم يكشف أحد أمرها حتى الآن، تحتاج إلى تحضير الميدان، والمقصود بالميدان طرفا الصراع، ولكن مما تقدم يبدو أن الضغط يتركّز على الطرف الفلسطيني دون الإسرائيلي، ولهذا يجري استخدام العرب لتفعيل عملية الضغط، من أجل انتزاع مواقف من السلطة.
 
إسرائيل الآن تتحضّر لانتخابات عامة ستجري بعد نحو ثلاثة أسابيع، ولذلك فإن مؤشرات الضغط عليها، إن كان ثمة ما يستدعي الضغط هي مسألة مؤجلة إلى ما بعد الانتخابات. والأرجح أن إسرائيل لن تواجه ضغوطاً ثقيلةً فعالةً من العيارات الثقيلة التي تتعرّض لها السلطة الفلسطينية الآن. وربما لا تنجح هذه الضغوط مع إسرائيل التي يحكمها ويتحكّم فيها اليمين الإسرائيلي الذي يعمل على أجندة سياسية لا تسمح بقيام دولة فلسطينية، ولا تسمح، بوقف الاستيطان أو التنازل عن تهويد القدس واعتبارها عاصمة إسرائيل الأبدية والموحدة، قبل أيام كان الرئيس محمود عباس يهدد بمحاسبة إسرائيل بسبب مشاريعها الاستيطانية، التي تعرّضت لانتقادات دولية واسعة وبنبرة عالية، اعتقد معها الرئيس أنه سيكون بالإمكان في ظل تلك الأجواء، نقل ملف الاستيطان إلى المحاكم الدولية.
 
الآن يدرك الرئيس أن الأمر ليس سهلاً، وأن من يقومون بممارسة الحصار المالي على كثرتهم، سيكونون هناك، لإفشال أي مساع فلسطينية تحاول محاسبة إسرائيل ومعاقبتها، ولذلك فإنه لا يجد سبيلاً إلاّ التهديد بحل السلطة، التي لا يرغب أحد في حلها أو انهيارها.
 
الأطراف التي تمارس عملية الحصار والضغط والابتزاز لا تأخذ تهديدات الرئيس عباس بشأن حل السلطة على محمل الجد، ولذلك كان عليه أن يتخذ خطوات عملية أكثر جدية في نقل الرسالة الفلسطينية الرافضة لكل هذا المجرى.
 
تبدأ الخطوات الفعّالة في فضح المستور الذي تسعى إليه الأطراف الدولية والعربية، وكشف الحقائق أمام الفلسطينيين، لا لتبرئة ذمته فقط، وإنما لتحشيد الشعب الفلسطيني خلف الموقف الوطني، إن عملية الفضح لا بد أن تشمل الدول العربية التي تتخلّف عن الوفاء بالتزاماتها وواجباتها المالية تجاه السلطة، غير أن الخطوة الأخرى المهمة تكمن في المبادرة باتجاه المصالحة الفلسطينية، وتجاوز كافة الحسابات التي تؤدي إلى تأخيرها، إن تحقيق المصالحة، هو الذي يضمن للفلسطينيين أن يعيدوا صياغة إستراتيجياتهم وخياراتهم، ويضمن إطلاق طاقة المقاومة الشعبية على اتساعها وعمقها بما يكفل إفشال هذه المخططات.

 

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز