إما "الدولة" وإما "الإمارة"

  • الثلاثاء 2012-11-06 - الساعة 09:16

 

إما "الدولة" وإما "الإمارة"
 
عوني صادق
 
 
اندلعت الانتفاضة الفلسطينية الأولى في العام 1987 ضد الاحتلال “الإسرائيلي”بعد عشرين سنة من حرب 1967 . كان من أهم نتائجها السياسية فلسطينياً ظهور حركة (حماس)، ودولياً عقد “مؤتمر مدريد”الذي أنتج بدوره ما أصبح يسمى “عملية السلام في الشرق الأوسط”التي فتحت الباب أمام “اتفاقي أوسلو ووادي عربة”. اعترفت منظمة التحرير بموجب “اتفاق أوسلو”ب “دولة إسرائيل«، وتخلت عن أكثر من 54% من أرض فلسطين التاريخية، كما تخلت عن ميثاقها الوطني، وبخاصة ما تعلق بالكفاح المسلح، واعتمدت بدلاً منه أسلوب المفاوضات . لم تقبل حركة (حماس) هذا الاتفاق، ورفضت الاعتراف بالكيان الصهيوني، ورفعت شعار المقاومة المسلحة لتحرير كامل التراب الفلسطيني .
 
في العام ،2006 أعطت صناديق الاقتراع حركة (حماس) أغلبية مقاعد المجلس التشريعي، ما أهّلها لتشكيل حكومة “الوحدة الوطنية”برئاسة إسماعيل هنية . وما لبثت الخلافات بين “السلطة”و”الحكومة”أن ظهرت واتسعت، وأدت إلى إقالة الأخيرة . لجأت (حماس) إلى القوة العسكرية لحسم الوضع في قطاع غزة لمصلحتها، لتنفرد بالحكم فيه . في السنوات الخمس الماضية جرت أكثر من محاولة لإصلاح ذات البين بين الحركتين باءت كلها بالفشل، فتكشف الخلاف عن صراع على السلطة، وسمعت أصوات تتهم (حماس) بأنها تعمل لتحويل القطاع إلى “إمارة إسلامية”. 
 
حتى يوم الحسم العسكري في غزة، في يوليو/تموز ،2007 كان المراقب المحايد يضع مسؤولية “الانقسام«، وتفشيل محاولات المصالحة، على حركة (فتح)، بسبب خضوعها لضغوط وشروط واشنطن وتل أبيب، والتي كان الغرض منها تكريس الانقسام الفلسطيني (تصريحات المسؤولين الأمريكيين اعتبرت (حماس) منظمة إرهابية . أما الموقف “الإسرائيلي”فتمت ترجمته بإعلان القطاع كياناً معادياً . وعبر نتنياهو عن هذا الموقف بطريقة أوضح، فخير السلطة: إما نحن وإما حماس) . وأحياناً اعترف عزام الأحمد، رئيس وفد (فتح) إلى محادثات المصالحة، بالقيود التي وضعتها واشنطن، وكذلك ب(الفيتو) الذي وضعته تل أبيب .
 
لكن حركة (حماس) في السنوات الثلاث الأخيرة، أرسلت من الإشارات ما يفيد أن “تغييرات”طرأت على المنطلقات والمواقف السياسية للحركة، شكلت ابتعاداً عن المبادئ والمواقف التي سبق أن أعلنتها . على سبيل المثال، أعربت (حماس) عن قبولها ل “دولة فلسطينية مستقلة في حدود 1967«، واستعدت لإنهاء المقاومة المسلحة من خلال استعدادها لقبول “هدنة”لمدة 15 عاماً . وبعد الحرب على غزة وعملية “الرصاص المصبوب”نهاية العام 2008 وبداية العام ،2009 أبدت (حماس) رغبة قوية في المحافظة على حالة “الهدوء المتقطع«، مانعة فصائل المقاومة، مثل “حركة الجهاد الإسلامي”و “الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين«، من ممارسة العمل المسلح، بحجج شتى . ومع أن استراتيجية العدو “الإسرائيلي”الرامية إلى تكريس الانقسام وفصل غزة عن الضفة معلنة ومعتمدة، من خلال مواصلة فرض الحصار، واستمرار الاعتداءات والغارات والتوغلات، إلا أن الحديث “الإسرائيلي”عن ضرورة “الحوار”مع (حماس) لا ينقطع، وكذلك كثر الحديث عن حوارات تجريها (حماس) في السر مع واشنطن، ولقاءات لها تتم مع “جهات “إسرائيلية«”.
 
وبالطبع لا يوجد ما يجعلنا نصدق كل ما يسربه الأمريكيون أو “الإسرائيليون”عن اتصالاتهم المزعومة مع (حماس)، لكن ما يجري في الواقع أمام أعين الجميع يثير الكثير من الشكوك، إلى درجة أن هناك من أصبح يقول إنه لم يعد يرى فرقاً حقيقياً بين (فتح) و(حماس) يجعل الأخيرة أفضل . وقد كان مبرر ظهور وصعود حركة (حماس) القوي في الساحة الفلسطينية، وسبب ثقة الجماهير الفلسطينية بها، هو أنها رفضت الاعتراف بالكيان الصهيوني، ورفعت شعار “المقاومة المسلحة«، وتمسكت بتحرير “كامل التراب الوطني الفلسطيني«، بعد أن أسقطت ذلك حركة (فتح) . ويصبح منطقياً أن يتغير الحال عندما تتغير (حماس)، وتصبح صورة أخرى من (فتح) . يضاف إلى ذلك، أن ما يلقاه الفلسطينيون في الضفة الغربية على يدي السلطة في رام الله، يلقونه في القطاع على يدي “حكومة غزة”.
 
والناظر إلى ما تفعله “الحكومة المقالة”اليوم، ومنذ توقف “الرصاص المصبوب«، لا يرى إلا  محاولات لتثبيت “التهدئة«، حتى إنها تسمى أحياناً “توازن الرعب”. وما يجري ليس سوى “مناوشات”متقطعة تجري وتنتهي ب “هدنة«، ودائماً بوساطة مصر المحكومة لاتفاقية كامب ديفيد . إلى جانب ذلك، تتركز مساعي وجهود هذه الحكومة على الجهود المبذولة لرفع الحصار وفتح المعابر، وأحياناً للدفاع عن مشروعية “الأنفاق«، وإقناع المحسنين بتقديم المساعدات لتأمين متطلبات الحياة اليومية للسكان، كما تفعل سلطة رام الله . ويزعم البعض أن مواقف وممارسات (حماس) الحالية تجعل لسان حالها يقول: إما أنها ترث (فتح) و”الدولة«، وإما “الإمارة”.
 
كلمة أخيرة لا بد منها، وقد ازداد الحديث عن “إعادة الإعمار”. فالحديث عن الإعمار وإعادة الإعمار في ظل “نظام”أو “شبه نظام”يقول إن هدفه الاستعداد والعمل لتوفير ظروف التحرير، لا يستقيم . ذلك أن الجيش “الإسرائيلي”قادر على تدمير ما يتم إعادة إعماره في أي وقت يريد . والحقيقة الثابتة هي أن الحديث عن “إعادة الإعمار«، يبدأ، عادة، بعد انتهاء “حالة الحرب«، بينما يترافق الحديث عن الاستثمار مع الحديث عن “السلام والاستقرار”. فمن هو الممول المستعد أن يتقدم، وهو لا يعرف متى ستتحول أمواله إلى غبار تذروه الصواريخ؟ ومن هو المستثمر الذي يمكن أن يقدم على استثمار لا يضمن سلامته وبقاءه؟ والسؤال: هل أصبحت (حماس) جاهزة لإحلال “السلام”في القطاع  . . . ربما سعياً إلى الإمارة؟ 

 

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز