عن حديث الرئيس مع القناة الإسرائيلية..

  • الإثنين 2012-11-05 - الساعة 07:47

 

 
عن حديث الرئيس مع القناة الإسرائيلية..
 
بقلم: طلال عوكل
 
 
التصريحات التي أدلى بها الرئيس محمود عباس للقناة الإسرائيلية الثانية يوم الجمعة الماضي، ما كانت لتمرّ هكذا دون ردود فعل داخلية فلسطينية ربما تؤدي إلى قلب المزاج العام، وتبدّل المشاعر التي تركتها خطاباته السابقة في الأمم المتحدة.
 
ما ورد في ذلك الحديث كان أكثر من واضح، بما لا يستدعي إضفاء المزيد من التفسيرات، والتأويلات التي تنطلق من موقع الدفاع عما جاء فيه، لتلطيف أو تخفيف أثره على كل الفلسطينيين في الداخل والشتات وبالمناسبة لا يجوز لفلسطيني، مسؤول أن يتجاهل حساسية الإنسان الفلسطيني، أو أن يتجاهل قدرته على الفهم، فلقد أثبت الشعب الفلسطيني أنه يمتلك ما يكفي من الوعي والخبرة، لفهم ما يدور حوله.
 
ثمة أكثر من مشكلة في الحديث، ومن حيث المبدأ، لم يكن على الرئيس أن يستجيب لإجراء ذلك الحديث مع قناة إسرائيلية في الذكرى الخامسة والتسعين لـ "وعد بلفور" المشؤوم قد تكون هذه الملاحظة، رمزية، لكنها تتحول إلى قضية إشكالية، بالنظر لما جاء في الحديث من مضامين، ففي مثل هذه المناسبة التي أسست لنجاح المشروع الصهيوني الإمبريالي على أرض فلسطين، كان من المفروض أن نسمع من كل فلسطيني كلاماً مختلفاً، كلاماً يؤكد إدانة ورفض الوعد من أساسه، ورفض الإقرار بنتائجه، والتمسك بالحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني، كلاماً يحمّل القوى الاستعمارية مطلقة الوعد، والتي ساعدت في تنفيذه وإنجاحه، ولا تزال تقدم له كل الدعم، مسؤولية أن تعترف بمسؤوليتها عن الظلم الذي لحق ولا يزال بالشعب الفلسطيني، وأن تفعل ما يتوجب عليها فعله في ضوء هذا الاعتراف.
 
 لعلّ أسوأ التعليقات أو التفسيرات، هو ما جاء في بعض التصريحات التي تدافع عن الحديث، وتحيله إلى البعد الشخصي، أو إلى أنه مجرد رسالة للجمهور الإسرائيلي، أو حتى أن القصد منه رفض فكرة الدولة ذات الحدود المؤقتة، الرئيس محمود عباس هو رئيس الشعب الفلسطيني جرى انتخابه عبر صناديق الاقتراع، وبالتالي فإنه يمثل كل الفلسطينيين الذين انتخبوه والذين لم ينتخبوه، ولذلك فإن من غير الممكن عزل المواقف الشخصية عن الموقف الرسمي، الذي يفترض أنه يعبر عن كل الشعب، الذي انتخب الرئيس حتى يرعى حقوقه، ويسعى لتحقيق أهدافه.
الرئيس في حديثه خرج عن حدود البرنامج السياسي الانتخابي الذي خاض على أساسه الانتخابات. المواطن يعرف تماماً الرؤية السياسية التي يتبناها الرئيس، ويعرف المواطن، أيضاً، أن تلك الرؤية تشكل قناعة عميقة لديه فهو ملتزم بخيار السلام، عبر المفاوضات، وهو يرفض استخدام العنف، ويلتزم ببرنامج العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من حزيران 1967، وعاصمتها القدس.
 
غير أن ما جاء في الحديث، ينطوي على تنازلات غير مبررة، ومجانية، ومن غير المرجح أن تترك أي أثر لدى الأحزاب السياسية الإسرائيلية، أو لدى الجمهور الإسرائيلي، فهو أي الحديث إن كان موجهاً للإسرائيليين فتلك قضية خاسرة تماماً فلا الجمهور الإسرائيلي يهتم بذلك، ولا قضية السلام والعلاقة مع الفلسطينيين تحظى بأي اهتمام من قبل الأحزاب السياسية التي تتنافس في الانتخابات القادمة.
 
أما المشكلات الكبرى التي ينطوي عليها حديث الرئيس للتلفزيون الإسرائيلي فهي برأيي تبدأ بقضية حق اللاجئين بالعودة إلى ديارهم، فهو حين يقول إنه يمكن أن يزور صفد لكنه لا يمكن أن يقيم فيها، إنما يعني أو أن الكلمات تفسر دون سوء نية، إلى أنه يتنازل كممثل للشعب الفلسطيني عن حق العودة.
 
نفهم أن محمود عباس الإنسان الفلسطيني، لم يتبق له من العمر ما يكفي لأن يعود للإقامة في صفد في إطار تنفيذ استحقاق وحق عودة اللاجئين، لكن الكلام لا يقف عند الحدود الشخصية بل يذهب إلى الاستعداد للتخلي عن هذا الحق، وحتى التخلي عما ورد في مبادرة السلام العربية التي نصّت على حل متفق عليه. يصبح هذا الحق خارج إطار وأجندة المفاوضات قبل أن تبدأ، هذا في حال بدأت وجرى استئنافها.
 
إن ربط هذا التفسير بما ورد، أيضاً، من حديث عن أن الرئيس يعتبر الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس، هي كل فلسطين بالنسبة له، ينطوي على قدر مفهوم من الانسجام، فإذا كانت الأراضي المحتلة عام 1967 هي كل فلسطين، فإن من الطبيعي أن تكون العودة، إلى هذه الفلسطين التي يتحدث عنها الرئيس.
 
وفي الأصل كان لا بد من أن يلتزم الفلسطينيون كل الفلسطينيين عقيدة تقول، إن أرض فلسطين التاريخية كلها، هي ملك للفلسطينيين وإن القوى الاستعمارية ارتكبت جريمة بحق الشعب الفلسطيني حين أسّست وساعدت في قيام دول إسرائيل، ولكننا كفلسطينيين نقبل بعملية سلام تؤدي إلى استرجاع جزء من حقوق الشعب الفلسطيني وذلك لأسباب مختلفة. لا يا سيدي الرئيس، أرض فلسطين التاريخية هي من البحر الأبيض المتوسط غرباً إلى نهر الأردن شرقاً ومن العقبة جنوباً حتى رأس الناقورة شمالاً، وإذا كان الشعب الفلسطيني يقبل بحلول مرحلية ارتباطاً بالمرحلة التاريخية وموازين القوى، فإنني لا أعتقد أن ثمة فلسطينياً لا يحلم باسترجاع كل الحقوق التاريخية الفلسطينية.
 
وبالإضافة، فإن ما ورد عن أشكال النضال والمسموح وغير المسموح به، يضفي هو الآخر شيئاً من الانسجام مع العناوين الإشكالية الرئيسة في الحديث. فالرئيس لن يسمح بانتفاضة ثالثة، ويرفض العنف، ويربطه بالإرهاب؟ ويكتفي بأشكال النضال الدبلوماسي، وبالمقاومة الشعبية السلمية، نفهم أننا في هذه الظروف المحددة، يترتب علينا أن نتبنى أشكالاً نضالية، سلمية انطلاقاً من قراءتنا للجدوى، والأهداف في لحظة معينة، ولكن وفي كل الأحوال لا يجوز أن يدلي مسؤول بأي حديث ينسف حق الشعب المحتلة أرضه في أن يقاوم محتله بكل الوسائل التي تتيحها الشرائع الدولية، ثم أين هو النضال الشعبي السلمي، وأين هو النضال الدبلوماسي، الذي لا يمكن أن تختصره بقضية التوجه للأمم المتحدة بطلب دول غير عضو.
 
 أعلم أن الرئيس متأخراً، أكد حق العودة وأنه يشكوا من أن حديثه تعرض للتشويه، والتقطيع، والاجتزاء، ولكنني أفهم، أيضاً، أن المقابلات التي يجريها الرئيس، يتم تسجيلها صوتاً وصورة من قبل وسائل الإعلام الفلسطينية الرسمية، وإن بالإمكان بل من الضروري نشر المقابلة عبر وسائل الإعلام الفلسطينية بعد نشرها من قبل الجهة التي أجرت الحديث.
 
 إن نشر الحديث هو فقط الطريق الوحيدة، لتبريد مشاعر الغضب التي ولّدها لدى الجماهير الفلسطينية.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز