التقاطعات الدولية على شطب فلسطين وتسمية الأمور بأسمائها الحقيقية

  • الإثنين 2012-11-05 - الساعة 00:09

 

بقلم: يونس الرجوب
 
 
ربما لم يكن تقاطع حماس في إضعاف الهوية الوطنية للمجتمع الفلسطيني هو بداية المشاريع التصفوية للقضية الفلسطينية ولكنه هو التقاطع الأخطر الذي شكل النهاية للمراحل السابقة من الإعداد والتحضير ونقطة البداية العملية للمشاريع اللاحقة التي تأسست على وجود هذه الحركة وانقلابها المشئوم في قطاع غزة وتواصلت معها حتى استملاك القدرة ومن داخل الشعب الفلسطيني على انجاز هذا الهدف الخطير وبالتالي بلورة أداة فلسطينية لا تعترف بقضية شعبها الوطنية ولا تعترف بنكبته ومأساته كما يؤكد ويعلن زعيمها الزهار بصورة يومية ولا تعترف بثوراته وانجازاته وتمتلك من القوة على الأرض بما يمكنها من الاجهار بذلك والعمل على أساسه دون خشية من احد أو خوف من عواقب الأمور .
 
لقد غير تقاطع حركة حماس وانقلابها كل مفردات القضية الفلسطينية وغير معها كل قوانين الصراع ومفاهيم القوى المتصارعة عن مسلماته وأخفى بصورة مؤثرة العديد من دواعي البرامج الوطنية التي سادت قبل هذه المرحلة واستبعد المواقف والتصرفات التي قامت على هذا الأساس في الواقع الفلسطيني والعربي وأدى إلى فتح الصراع على أسس ومقاربات جديدة ليس لها علاقة بطبيعته ومكوناته وكذلك تقاطعات ومصالح دولية جديدة أيضا جعلت من القضية الفلسطينية قضية مشروخة في أصلها ومبناها أو قضية غائبة إلى أمد بعيد وليس من مصلحة القوى المتقاطعة استردادها من جديد حيث أعادت حركة حماس وانقلابها توصيف القضية الفلسطينية على نحو جديد في مفاهيم الأمن القومي العربي ومفاهيم الأمن القومي المصري وكذلك مفاهيم امن الإقليم والقوى الفاعلة في إطاره وبالتالي تم التقاطع الثاني في إطار هذا التوصيف على مكانة قطاع غزة كمنطق للانقلاب بين مفهوم الاحتلال للقضية الفلسطينية بصورة عامة ومفهومة لأمنه الاستراتيجي بصورة خاصة وذلك مع مفهوم الأمن القومي المصري الذي وقف عاجزا عن دحر الانقلاب أو إحباطه عند اللحظة الأولى من حدوثه وصولا إلى التسليم به والتعامل معه كأمر واقع بشروط الدور الإسرائيلي في هذا الانقلاب والتكييف الاستراتيجي لأمنه ومقتضيات خدمته في تصفية قضية فلسطين على المدى البعيد وبالتالي كان واضحا للطرفين المصري والإسرائيلي إن قطاع غزة يمثل الخاصرة الرخوة لأمن الاحتلال على الجبهة الجنوبية وانه يمثل ذات الدور وذات الأخطار على الجبهة الشمالية لمصر مع صحراء سيناء وبقية أطراف هذه الجبهة المترامية وان أي تغيير لوضعية قطاع غزة في هذا المعادلة يؤدي إلى تهديد امن الطرفين بنفس الحجم والمعيار لذلك كان لا بد من التقاطع بين مصالح الطرفين على هذه النقطة بمنظور جديد للمصالح وليس بالمنظور التقليدي الذي كان يحكم الصراع العربي الصهيوني في المراحل السابقة وهو الأمر الذي حدث فعلا في مقدمات بناء قوة الانقلاب التي كانت تحدث تحت أنظار وإسماع الأجهزة الأمنية للطرفين وتواصلت معه حتى إشاعة الانقلاب واطلاقة لتنفيذ أهدافه دون تحريك ساكنا يمنع حدوثه أو يعطل مساراته من قبل الطرفين المصري والإسرائيلي أيضا لا سيما وان قوة الانقلاب لم تكن قوة نووية قادرة على منع الطرفين من إحباطها ولم تكن قوة عظمى من الناحية العسكرية والأمنية قادرة أيضا على فرض إرادتها على الطرفين في هذه المعادلة الخطيرة واستملاك قطاع غزة بالمنع والإكراه حيث كان تقاطع مصالح هذين الطرفين في وجود حركة حماس وانقلابها في قطاع غزة هو سيد الموقف في مقدمات بناء قوتها وفي نهايات استملاكها لقطاع غزة وتأسيسها لسلطتها الحاكمة واقتصادها الخفي وإنفاق التهريب والعلاقات القائمة على هذا الأساس شمالا وجنوبا من قطاع غزة وفي الصفحة الأخرى من الصورة المرتبطة بهذا التقاطع فلا يصدق أحدا إن مصر ودولة الاحتلال الإسرائيلي يمكن لهما إن يحدثا هذا التقاطع في مصالحهما على قطاع غزة بمعزل عن الدور الأمريكي والرؤى ألاستراتيجيه التي تحكم هذا الدور وتقاطعات القوى الدولية الأخرى المنسجمة مع هذه الرؤى أو غير القادرة على إحباطها في منطقة الشرق الأوسط سواء تلك الحاكمة لأمن الشرق الأوسط أو المؤثرة على أمنه عبر المصالح والتحالفات من الخارج .
 
لقد حاولت دولة الاحتلال بعد ترسيخ هذه الحقائق وانجاز انسلاخ قطاع غزة عن القضية الفلسطينية وتحميله قضية حكامه الجدد الذين لا يعترفون بكل مفردات هذه القضية ولا يتوقفون عن مناصبة قيادة الشعب الفلسطيني العداء حاولت تلك الدولة المعتدية اختصار الطريق في الوصول إلى عملية التصفية الشاملة للقضية الفلسطينية عبر الدخول في مساومة رخيصة على ورقة الانقلاب مع القيادة الشرعية للشعب الفلسطيني واضعتة شرط التنازل عن حق العودة وحق السيادة الفلسطينية على القدس أساسا لهذه المساومة مقابل إنهاء عقدها مع حركة حماس وانقلابها وفرط هذا العقد من أساسه وإعادة قطاع غزة للشرعية الفلسطينية إلا أن الشرعية الفلسطينية رفضت هذه المساومة الرخيصة ونأت بنفسها عن هذه التقاطعات التي تؤسس لتصفية قضية فلسطين وإنهاء الصراع العربي الصهيوني لصالح الاحتلال لذلك دفع التقاطع الإسرائيلي المصري أصحاب الانقلاب باتجاه البوابة الشرقية لأمن الإقليم وحدث العدوان على قطاع غزة لترسيخ دور حركة حماس وانقلابها كلاعب فلسطيني مهم في امن الشرق الأوسط بديلا عن الدور الذي كانت تلعبه منظمة التحرير الفلسطينية إلا أن حركة حماس قد أفهمت من الدين الذي كانت تدعيه الطرق والأساليب المناسبة لخديعة إيران في نهجها وتصرفاتها وتعزيز مكانتها في المشاريع الدولية التي تستهدف المنطقة برمتها وليس خدمة إيران ودورها الاستراتيجي في امن الشرق الأوسط أو خدمة امن إيران وسعيها للسيطرة على خطوط واردات النفط العربي إلى جهات الاستهلاك ورغبتها في إغلاق منافذ التجارة الدولية بين الوطن العربي والعالم لخدمة مشروعها النووي ودورها كدولة صاعدة في الإقليم .
 
أما التقاطع الثالث الذي هو الأخطر من هذه التقاطعات المحلية والأطراف الداعمة لها والمساحة الواسعة من المناورة السياسية التي فتحت أمامها في إطار قوى المنطقة والعالم فهو تقاطع الإخوان المسلمين في الأهداف والمصالح مع النظام الاستعماري الجديد التي تنفرد الولايات المتحدة الأمريكية في بنائه لإدارة شؤون الشرق الأوسط والذي يعتبر من الناحية الموضوعية هو النظام البديل لسايكس بيكو ونظامه القديم الذي أنشأته أوروبا الاستعمارية بعيدا عن اللمسات الأمريكية في ذلك الزمان والذي سلمته جاهزا للتشغيل بعد خروجها من المنطقة عام 1956 اثر هزيمتها في العدوان الثلاثي .
 
إن الواضح في هذا التقاطع الخطير هو أن الطرفين الإخوان المسلمين والولايات المتحدة الأمريكية ليس لهما مصلحة في ترميم نظام سايكس بيكو القديم أو ترميم مخلفاته وحل الإشكاليات العالقة على قاعدة هذا الترميم بل إن فكرة الترميم وإجراء مقاربات مصالح على أساسها غير واردة في عقيدة الطرفين للتغير أو الطحن والتفكيك للنظام القديم لاسيما أمام القوة الهائلة للإخوان المسلمين في المنطقة والعجائب التي تصنعها هذه القوة لإرساء هذه المقاولة عليها وبالتالي فقد أصبح الإخوان المسلمين بهذا التقاطع هم الوجه الحقيقي للنظام الاستعماري الأمريكي الجديد في منطقة الشرق الأوسط وأداة فعله المركزية التي توجه الأحداث والوقائع المتسارعة لإتمام بنائه وتوطين مصالحه وعلاقاته المستقبلية التي على أساسها يمكن لنا فهم كل ما يجري من حولنا من عمليات معقدة أو غيرها لتصفية قضيتنا الوطنية وكذلك فهم التقاطع الرابع بين هذين الطرفين المهمين في النظام الاستعماري الجديد من جهة وقطر وليبيا وتونس ومصر من الجهة الثانية أو فهم علاقة مركز الفعل في بناء هذا النظام وتقاطعات هذا المركز مع المقاولين المحليين وكذلك فهم معادلة تركيا الجديدة الطامعة في نهب خيراتنا العربية ومن ثم فهم الدور الإسرائيلي في تراكيب هذه المعادلة الذي لم يعد منفردا بمقاولة الكنترول على هذا النظام من خارج مصالح أطرافه كما كان دوره في نظام سايكس بيكو القديم حيث قال هنري كاسنجر وزير الخارجية الأمريكي الأسبق في هذا الشأن إن دور إسرائيل في النظام الجديد هو دور المقاول الفرعي وليس دور الحاكم لهذا النظام وهذا يعني إن أفضليات الدور متناسبة طرديا مع الجهد الذي يبذله كل طرف في بنائه مع التأكيد على إن النظام بصورة إجمالية ليس فيه ملامح جديدة غير الملامح الأمريكية الإسرائيلية المعروفة لنا جميعا رغم مركزية دور الإخوان المسلمين في تنفيذ مهماته على الأرض وإتمام عمليات الطحن والتفكيك للنظام القديم .
 
إن الخطير في هذه التقاطعات وفي هذه النقطة من كثافتها وتركيزها هو الدور الذي ستلعبه الدول التي أسقطت في هذه الشراك القاتلة والإخوان المسلمين معا مع المقاول الفرعي الذي أشار إليه هنري كسنجر حيث لا دورا مركزيا لكل الأطراف العربية في هذه المعادلة مماثلا للدور الإسرائيلي يمكنها من التعاقد مباشرة مع الإدارة الأمريكية بمعزل عن أهداف ومصالح المقاول الإسرائيلي وهذه هي النقطة المفصلية الفارقة بين أطراف هذا النظام التي تتأسس عليها عملية التصفية الشاملة للقضية الفلسطينية وليس فقط تصفية قضية الفلسطينيين في قطاع غزة التي ابتلعها الحوت ولا ندري متى سنعثر عليها بعد قرار الإخوان المسلمين السير مكشوفين في الخط الأمريكي الإسرائيلي لبناء النظام المذكور وقبولهم بهذه الخاتمة البشعة من الانكشاف والسقوط الذي سيضفي على المشهد المزيد من الدماء والمزيد من التجبر والانفراد بكل القوى العربية وكل القوى الإقليمية المعارضة لهذا النظام .
 
إن فلسطين تواجه معركة حقيقية على ذاتها أمام هذا الطوفان الطاغي من السقوط والانحدار وبالتالي على قواها الحية إن تعي ما يحيط بها من مؤامرات ودسائس تستهدف وحدة قضيتها الوطنية التي استعصت على كل التقاطعات الدولية والإقليمية السابقة وسوف تستعصي بإذن الله على كل المقاولين الجدد والتقاطعات التي يجرونها لإنهاء قضية فلسطين دون حلول عادلة ومنصفة لشعبها المظلوم الذي لن يقبل التجاوز عن حقوقه الوطنية ولن يقبل إسقاطه في المظلومية من التاريخ .
لقد شطب تقاطع تركيا قطر إخوان غزة ومصر أربعة مليارات دولار أمريكي كانت دول العالم قد جمعتها لإعادة أعمار قطاع غزة بعد عدوان الرصاص المسكوب الذي قامت به دولة الاحتلال الإسرائيلي وأعفى هذا التقاطع دول العالم التي اجتمعت على هذا الأساس من مهام حماية قطاع غزة من عدوان جديد وأطلق عملية الحماية والأعمار بصورة كاملة لتحالف النظام الاستعماري الجديد والقوى المتعاقدة على بنائه والتي ستجمع في نهاية المطاف على الاعتراف بدولة إخوان غزة القابلة للتوسع نحو شمال سيناء وإعادة إحياء مشروع التوطين بعد إن تم دفنه في باطن العقود الستة الماضية من ولادته الأولى وذلك جميعه من أول (ضربة كوع ) على طريق التقاطعات الدولية لشطب فلسطين ومقابل 400 مليون دولار أمريكي دفعتها قطر لاستثمار الغاز المسال على شواطئ مدينة غزة وبالتالي سنشهد خلال الأشهر القليلة القادمة إعلان حماس عن قطاع غزة إقليما محررا أو دولة مستقلة ذات سيادة وسنعود بعد هذا الإعلان إلى المربع الأول من كفاحنا الوطني الذي لن يجد له مكانة بين الأنظمة المتعاقدة على بناء وحماية النظام الاستعماري الجديد في منطقة الشرق الأوسط .
 
إن القضية هنا وفي إطار هذه التقاطعات المعقدة لم تعد قضية من يمثل فلسطين أمام العالم بل هي قضية تصفية فلسطين بأكملها وإنهاء مشروع الدولة والاستقلال الوطني وتفكيك القضية الفلسطينية من أصلها وإخضاعها بصورة كاملة إلى الرؤية الإسرائيلية التي تدعوا إلى فرض حقائق الانقسام والتقسيم على هذه القضية بحيث يتم التعامل مع قطاع غزة كبيئة سياسية خاصة ومصالح اجتماعية واقتصادية منفصلة عن واقع الشعب الفلسطيني ينتج عنها الحلول المذكورة أعلاه ثم يتبعها الضفة الغربية على ذات القاعدة من الرؤية والمخططات للحلول التصوفية وبعد ذلك فلسطينيي اللجوء والشتات ثم فلسطينيي الأراضي المحتلة عام 1948 الذين سيأخذون نصف الحقوق ونصف المواطنة في دولة الاحتلال وهو الأمر الذي ربما يحكم شكل الحلول للضفة الغربية أيضا بحيث تعطى المناطق المتبقية منها نصف استقلال ونصف حقوق مواطنه ونصف سيادة وطنية مراعاة لوضع المستوطنين في هذه المنطقة .
 
إن الانتباه لهذه التقاطعات الدولية هو المدخل لبناء المواقف والتصرفات من النظام الاستعماري الجديد لإدارة شؤون الشرق الأوسط واستملاك القدرة على حماية قضيتنا الوطنية من التصفية والاندثار ونبذ الساقطين في هذا المشروع والذين سيسقطون في مجريات تنفيذه لا سيما الفلسطينيين منهم الذين باعوا أنفسهم بأرخص الأثمان واستبدلوا قضية شعبهم الوطنية العادلة بمصالحهم الشخصية والقضايا الافتراضية التي يتلبسونها حماية لهذه المصالح وبالتالي إعادة توصيف حركة حماس وانقلابها في مفردات العمل الوطني الفلسطيني والتعامل معها كنقيض لمشروع الدولة والاستقلال الوطني وجزء لا يتجزأ من مخرجات مشروع الاحتلال وأدوات التصفية للقضية الوطنية الفلسطينية ثم إعادة توصيل حركة الإخوان المسلمين العالمية والسلالات الإرهابية المنبثقة عنها في إطار الحركة الاستعمارية الدولية والتعامل معها كنقيض لمصالح الأمة العربية أيضا والتأسيس إلى مرحلة جديدة من العمل العربي المشترك على قاعدة التحالف مع القوى الوطنية لمواجهة هذا الطوفان العارم ومقاومته في كل الأحوال والظروف .
 
إن أمريكا الاستعمارية وإخوانها المسلمين وسلالاتهم الاهابية من فرق الأشباح وكتائبهم المنتشرة في كل أرجاء المعمورة لا يعطون وزنا لقيمة الحياة أو قيمة العدالة في التاريخ وهم متقاطعون بالفهم والتصور والعلاقات والمصالح على إباحة العدوان ضد الأمم والشعوب كافة إيمانا من الأولى بالإمبراطورية الكونية العابرة للقارات كما هي شركاتها الامبريالية الاحتكارية وإيمانا من إخوانها وسلالاتهم بهدم مملكة الأرض كما يقول السيد قطب وإقامة مملكة السماء العابرة للقارات أيضا التي لا احترام فيها للأوطان و السيادات الوطنية هذا إلى جانب ازدراء الطرفين للأمة العربية واعتبارها في الفهم الاستراتيجي الأمريكي لشعوب المنطقة عبارة عن جماعات قبلية تنقسم إلى حالتين من الدول العائلية الأولى تقيم على منابع النفط والثروات الطبيعية وتريد من أمريكا حمايتها والمحافظة على بقائها والثانية فقيرة وجائعة وتريد من أمريكا أطعامها ومساعدتها في تصريف شؤونها وهي من وجهة نظر إخوان أمريكا دول وشعوب مانعة لوجود امة الدين الكونية العابرة للقوميات والأجناس البشرية .
 
لقد فقدنا قطاع غزة في بداية هذه التقاطعات والحذر أن لا نفقد فلسطين في نهايتها .
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز