من واشنطن... انطباعات ما قبل الانتخابات

  • الأحد 2012-11-04 - الساعة 10:11

 

من واشنطن ... انطباعات ما قبل الانتخابات

بقلم  اكرم عطا الله:
 
 
كنت اعتقد أنني حين اقطع المحيط سأبدأ بمهمة تفتيش في عقل الإمبراطورية الأميركية وضميرها الذي وضع نفسه موضع التساؤل والبحث منذ الحرب العالمية الثانية، لكنني اكتشفت أن عملية تفتيش عنها لا تكفي لمعرفتها، بل إن الولايات المتحدة بحاجة إلى عملية تنقيب، وهذه تحتاج إلى أدوات مختلفة لا يحملها معه الزائر للمرة الأولى لهذه الدولة التي تنام على نصف قارة ولكنها تصحو متمددة على ارض وسماوات ومحيطات كثيرة هي موقع حاملات طائراتها. 
 
لكنها فرصة كبيرة للمراقبة والتأمل وتسجيل انطباعات وخاصة أن أميركا تعيش شهر الانتخابات وها هي متحفزة، فقط يومان تبقيا على "الثلاثاء الكبير" كما يسميه الأميركيون وهو يوم الانتخابات وفقا لتقليد قديم اقر فيه أن تكون الانتخابات في الثلاثاء الأول من شهر تشرين الثاني، كما يكون قد تقرر فيه مصير الرئيس الأميركي اوباما هل يتم التمديد له لولاية أخرى كأغلبية الرؤساء في الولايات المتحدة باستثناء القليل أم إن مصيره كمصير كارتر وبوش الأب؟.
 
حتى اللحظة هذه اللحظة لم تحسم استطلاعات الرأي النتائج ما دفع بعض المحللين في الصحف الأميركية الى أن يعيدوا إلى الأذهان التذكير بانتخابات العام ٢٠٠٠ بين بوش الابن وال غور، حين تم ترحيل الأمر للمحكمة بعد أن عجز الصندوق عن حسم النتيجة، وحده رئيس تحرير أخبار الأحد جو ماك كوير من بين كل الاميركيين الذين سئلوا عن تقديرهم لنهاية المعركة غامر بالإجابة عندما طلب منه تصور مانشيت صحيفته صباح الأربعاء، كتب على ورقة "اوباما فاز" أما غيره فلا احد تكهن. 
 
صحيح أن الزيارة الأولى لا تمكن من إصدار أحكام، وصحيح أن الولايات المتحدة بحاجة إلى عملية تنقيب ومعدات ولكن ذلك لا ينفي تسجيل بعض المشاهدات والتي تصلح لإعطاء انطباعات أولى هذه المشاهدات هي مدينة واشنطن عاصمة القرار الأميركي، فيها يقرر مصير حكام ودول، ومنها تقصى أنظمة وتنصب أنظمة للحكم،أصابع هذه المدينة تمتد في كل العواصم، تبدو مدينة جدية ..عملية منهمكة في التخطيط لقيادة نفسها والعالم، هكذا تبدو ملامحها، ليست ككل المدن، مبان ليست عالية وتبدو عادية ولكن خلف جدرانها هذه تتمترس دبابات التفكير كما يطلق عليها الأميركان ومراكز الدراسات الإستراتيجية والبحث عن البترول والأنظمة الواجب استدعاؤها للحكم لتمرير مصالح الولايات المتحدة. 
 
فأميركا ليست جمعية خيرية، هي إمبراطورية والإمبراطوريات انتشرت بالسيوف من اجل مصالحها وقاتلت على مسافات بعيدة جدا عن حدودها لتؤمن نفسها ومواطنيها لعقود قادمة فهل ستكون أميركا استثناء، وهنا النتيجة التي يمكن اكتشافها في واشنطن وهي سذاجة الذين يعتقدون وينتظرون المساعدة الأميركية بعيدا عن العمل على تنمية دولهم اقتصاديا وثقافيا.
 
 الولايات المتحدة لم تخرج بعد من أزمتها الاقتصادية، الموارد الأميركية وحدها لم تمكن هذه الدولة المترامية من الرسو على رصيف الأمان بعد، رغم قوة محاولات الرئيس اوباما خلال سنوات ولايته. 
 
التنقل في المطارات الأميركية هو عمل شاق بسبب صعوبة التفتيش والإجراءات الأمنية المعقدة حد الهوس، وحين سألت عن السرعرفت أن هذه الإجراءات بدأت بعد الحادي عشر من أيلول، ورغم مرور كل هذه السنوات إلا أن أجهزة الأمن الأميركية لم تخفف من حدة إجراءاتها وبمعنى آخر بعد تلك الحادثة تبدو الولايات المتحدة اقل ثقة بنفسها. 
 
المدهش والمثير في انه بالنسبة للفلسطيني هو غياب تام لفلسطين وإسرائيل عن الوعي الأميركي. فالمواطن الأميركي بالكاد يميز بين فلسطين وباكستان، وحين طلبت من أكثر من مواطن أميركي أن يحدد أولوياته الانتخابية لم يكن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي في أي منها وقد قال رئيس تحرير صحيفة أخبار الأحد نقلا عن مؤسس صحيفة دنفر حول اهتمامات الاميركين قوله: "إن معركة بين كلبين في دنفر أهم بالنسبة للأميركي من حرب في أوروبا".
 
فالاقتصاد والدخل هما اهتمامات المواطن وهما اللذان يحددان وجهة دعمه لهذا المرشح أو ذاك، لذلك تمتلئ الصحف الأميركية في الأسبوع الأخير بوعودات مرشحي الرئاسة عن فرص العمل والاقتصاد والاستثمار وشعارات تسجل غيابا تاما لإسرائيل أو فلسطين وهذا ربما يدعو للسؤال إذا كان الأمر كذلك فلماذا يتودد المرشحون لإسرائيل؟.
 
والجواب ببساطة أن الانتخابات في الولايات المتحدة هي عملية جمع أموال ودعاية وقياس حجم فشل أو نجاح الدعاية بمجموع ما استطاعت جمعه من أموال لأن الدعاية تتطلب تبرعات، وقد نشرت الصحف الأميركية أرقام نفقات الدعاية بالنسبة للمرشحين لتقول ان حملة اوباما جمعت أكثر من حملة رومني. لهذا فان التسابق نحو إرضاء إسرائيل عملية لا تستهدف الناخب الأميركي بقدر استهدافها رأس المال اليهودي في الولايات المتحدة الذي تشكل تبرعاته عاملا له وزنه المهم في العملية الانتخابية فهو قادر على دعم وإمداد مرشحين وصناعة دعاية فيما يغيب المال العربي والصوت العربي، والتأثير العربي بالمقابل خافت إلى درجة الغياب سوى من محاولات ليست ناجحة حتى اللحظة يقوم بها المعهد العربي الأميركي الذي أسسه جيمس زغبي ولا يزال يشرف عليه لكنه يشكو قلة المال وغياب اللوبي العربي "موحد الاهتمامات " فحالة التباعد بين العرب الأميركيين واختلاف الأصول ربما جعلت القائمين على المعهد يشكون صعوبة العمل دون أن يصابوا باليأس، ففي مقر المعهد تجد الجيل الشاب يمتلئ حيوية وطاقة، منشغلا بتوزيع بيانات الحث على المشاركة في الانتخابات والتصويت على أمل أن يصبح الصوت العربي قويا وفاعلا عله يتمكن من التأثير في القرار الأميركي يوما ما. 
 
في الأسبوع الأخير للانتخابات تبدو أميركا وكأنها تقف على قدم واحدة ومكلفة بمهمة واحدة هي الانتخابات. الجميع مشاركون بالتجهيز والمشاركة هنا وما يشغل الأميركان ليس فوز أي من المرشحين بل اكبر مشاركة للشعب الأميركي في الانتخابات، إحداهن لخصت المسألة قائلة: "إذا لم أصوت لا يحق لي التذمر والشكوى لأربع سنوات قادمة"، وهذه مسألة لافتة تستدعي قراءة أخرى. 
 
الشوارع خالية من مظاهر دعاية ولكن خلف الأبواب المغلقة والجدران تعمل ماكنات الإعلام وخبراء الدعاية ورجال العلاقات العامة على مدى الساعة. واللافت في الانتخابات الأميركية هو مشاركة الناس من جيوبها وثقافة التبرع وثقافة التطوع حيث يعمل مع كل مرشح أسطول من المتطوعين وربما تكون تلك الثقافة بحاجة لقراءة أخرى على مهل.
 

 

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز