فتح غاربة أم فتح هاربة

  • الجمعة 2012-11-02 - الساعة 10:24

 

جهاد حرب

 

(1) تصريح عباس زكي... والغربة في فتح

 

يُفصح تصريح عضو اللجنة المركزية لحركة "فتح" عباس زكي عن عدم رضى أحد أقطاب المستوى القيادي لحركة فتح عن ما آلت إليه حركة فتح ومكانتها الشعبية وبنائها التنظيمي ووسائل العمل التنظيمي. إن قول عباس زكي أن "القيادة الحالية لحركة "فتح" ليست مؤهلة على أي نحو أو على أي صعيد أن تجسد طموح الشعب الفلسطيني بالنصر، وان الوضع التنظيمي لفتح والوضع الفلسطيني بشكل عام أثبت أنه بحاجة إلى قيادة ذات حضور فاقع ومتألق تشغل العالم بقضية فلسطين كما كانت القيادة التاريخية السابقة"، يأتي في اطار النقد اللاذع لطرائق عمل قيادة حركة فتح من جهة ولفشلها في اختراق أو مواجهة التحديات التي تواجه الشعب الفلسطيني من جهة ثانية.

 

منذ انعقاد المؤتمر الحركي السادس صيف عام 2009، تتفشى ما بين كوادر حركة فتح وإطاراتها، الذين أمضوا سنوات طويلة في اطار حركة فتح وهم خاضوا مراحل متعددة من النضال الفلسطيني تحت لواء حركة فتح، حالة من الغربة والابتعاد في أطر الحركة؛ فأغلبهم غير مؤطرين في اطر تنظيمية أو هم دون مهمات تنظيمية. هاتان الحالتان تقيس مدى  قوة التنظيم وصلابته من جهة وقدرته على الحشد التنظيمي واستيعاب الاختلافات في وجهات النظر حول القضايا التنظيمية والسياسية وكذلك الاختلافات الفكرية من جهة ثانية.

 

نظر الكثير من الفتحاويين إلى المؤتمر السادس باعتباره مُخْلِصا لحالة الترهل التنظيمي وغياب الاطر الناظمة والقيادة الفاعلة المتواصلة مع القواعد التنظيمية فكرا وممارسة من ناحية، وإنهاء حالة الإنقسام في الساحة الفلسطينية من ناحية ثانية، وخلق واقع نضالي في مواجهة الاحتلال الاسرائيلي باعتبار حركة فتح "صاحبة المشروع الوطني".

 

لكن اليوم العبارة الأكثر ترددا بين كوادر حركة فتح واطاراتها "كنت تختلف مع عضو اللجنة المركزية "السابقين" الا أنهم أصحاب قرار" ما يدل على انتشار التذمر من اللجنة المركزية وأعضائها؛ فهي لم تنهِ حالة الترهب والاستبعاد لأعضاء الحركة أي بمعنى لم تصلب الجبهة الداخلية، ولم تنجز استعادة الوحدة رغم التفهم للصعوبات. كما أنها لم تخلق شعورا لدى الجمهور الفتحاوي أو الشعبي بجدية المقاومة الشعبية السلمية.

 

(2) الانتخابات المحلية... ونكسة القيادة الفتحاوية

رأى بعض الفتحاويين أن حركة فتح قد اكتسحت الانتخابات المحلية التي جرت في الضفة الغربية في العشرين من تشرين أول بفوزها في أغلب مقاعد الهيئات المحلية. وجهة النظر هذه ستكون معقولة لو كان هناك منافسا قويا مثل حركة حماس يخوض الانتخابات؛ فحركة فتح وفصائل منظمة التحرير خاضتا الانتخابات في مواقع متحالفة وفي أماكن متبارية، فيما خاضت حركة فتح معركتها الابرز في هيئات محلية مع نفسها أي بين قرارات القيادة "القائمة الرسمية" وبين ابناء الحركة وكوادرها "المتمردين الفتحاوييون".

 

 تبرز في هذا المجال ملاحظات واجبة لما حصل في الانتخابات المحلية هي بحاجة الى دراسة معمقة من قبل قيادة فتح وبالتأكيد لجنتها المركزية لتقييم مكامن القوة والضعف:

 

الملاحظة الأولى: ضعف نسبة المشاركة في الانتخابات المحلية؛ أعلنت لجنة الانتخابات المركزية أن نسبة الاقترع حوالي 55% من الناخبين المسجلين، صحيح أن النسبة التي سجلت في الانتخابات الحالية مقارنة مع النسب العالمية هي جيدة لكنها في الحالة الفلسطينية هي متدنية جدا مقارنة بنسبة الاقتراع التي سجلت في الانتخابات المحلية السابقة (2004/2005) في الضفة الغربية التي بلغت حوالي 70%. كما أن الفشل الابرز كان في نسبة الاقتراع في بعض المدن المركزية كالخليل والبيرة التي كانت نسبة الاقتراع بها متدنية جدا (34% و27% على التوالي وهي معاقل حركة حماس في الانتخابات التشريعية في الأولى والمحلية في الثانية) في حال أراد البعض الحديث عن نصر مؤوز لحركة فتح في هذه المدن.

 

ناهيك عن أن نسبة الاقتراع في المدن أصلا متدنية (42.5%) في المدن الرئيسية، وبإضافة بلدتي سلفيت وطوباس تصبح نسبة المشاركة (44.5%)، في حين كانت حوالي 60% في الانتخابات السابقة.

 

الملاحظة الثانية: تراجع روح المنافسة الديمقراطية، فأكثر من نصف الهيئات الانتخابية (179 من 354 هيئة محلية) شكلت قائمة واحدة في الانتخابات المحلية وفازت بالتزكية مما جنبها خوض المنافسة والتعرف على البرامج الانتخابية. وكذلك الحال بالنسبة الى الهيئات (82 هيئة) التي لم تستطع أن تشكل قوائم انتخابية في المرحلة الأولى أي أن مجموعهم حوالي 261 من اجمالي 354 هيئة محلية) أي بنسبة 74% من الهيئات المحلية مما يعبر عن عزوف المواطنين عن المشاركة الشعبية في الانتخابات.

 

الملاحظة الثالثة: فاز الفتحاوييون وخسرت القيادة "اللجنة المركزية"؛ في الهيئات المحلية التي جرى فيها تنافس "حقيقي" فازت القوائم "المتمردة" التي شكلها فتحاويون في جنين ونابلس ورام الله وفي بلدات كطوباس وكفر الديك خلافا لقرار حركة فتح أو قيادتها المركزية والمناطقية، وهي أي القوائم المتمردة شكلت تحدي حقيقي لحركة فتح في أمرين الأول تشكيل القائمة من كوادر الحركة وقيادتها المناطقية من جهة وفي تصويت أبناء الحركة من جهة ثانية فقد أفاد استطلاع مؤسسة "أوراد" أن 50% من الفتحاويين في نابلس صوتوا لقائمة غسان الشكعة، وأن 58% لقائمة أبناء البلد في رام الله، وبالتأكيد نفس النسبة أو ما يقاربها لقائمة أبو مويس في جنين وكذلك في طوباس وكفر الديك. وهو ما يؤكد مخالفة القواعد التنظيمية لقرارات القيادة المركزية لحركة فتح . ويبدو أن ما ذهب اليه الصديق والزميل صلاح هنية في مقاله الاسبوع الماضي أن قاعدة "نفذ ثم ناقش" لم تعد ممكنة التطبيق في حركة فتح، وأن على اللجنة المركزية لحركة فتح أن تكون قريبة من جمهورها وتطلعاته ورغباته لخلق الانسجام ما بين القيادة والقواعد التنظيمية خاصتها.

 

 

(3) اللجنة المركزية الهاربة عن حرية التعبير

في العام 1993، قررت حركة فتح (وطبعا لجنتها المركزية) خوض معركتين متوازيتين "حمل بطيختين" وليست متتابعتين؛ الأولى مقارعة الاحتلال وإنهائه بطرق نضالية مختلفة ومتعددة تعدد الاجنحة والاطرحات الداخلية في حركة فتح. والثانية بناء الدولة الديمقراطية وفقا لهدفها الثاني المرسوم في نظامها الاساسي، وهنا لا يمكن الحديث عن دولة ديمقراطية أو بنائها دون حرية التعبير والسجال الاعلامي والنقد وتناول الحجة بالحجة وحق الوصول للمعلومات وإطلاع الجمهور على آليات عمل المؤسسات العامة أي بمعنى آخر دون شفافية ونزاهة ومساءلة.

 

لكن لم نشهد خلال هذا العام موقفا صريحا للجنة المركزية حول حرية التعبير والخروقات التي مورست بحق الصحفيين والكتاب في موجة لم نشهد لها مثيل من استدعاءات وحجز ورفع دعاوى أمام المحاكم من قبل السلطة الفلسطينية و/ أو مسؤوليين، والانتقال من الضغط والتهديد الى استخدام قفازا حريريا "المتابعة القضائية" في ثني الكتاب والصحفيين عن تناول قضايا الشأن العام. كأن اللجنة المركزية هاربة أو غائبة عن الحياة العامة وقضايا الشأن العام. في بعض التنظيمات اليسارية، بعد التحول الماركسي بداية التسعينيات من القرن الماضي، رأى بعض كوادرها أن رأيهم يسبق موقف فصيلهم وأوسع منه فخرجوا منها. لكن حتى اليوم مازلت حركة فتح، كإطار فكري، تجمع كوادر الكثر. فهل بات خروجهم حتميا أم ستتدارك حركة فتح ولجنتها المركزية ذلك.

 

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز