كنيست "الزعران"

  • الأربعاء 2012-10-31 - الساعة 09:27

بقلم عطا صباح:

 

إن أعظم المنافقين السياسيين لن يستطيع الادعاء بنزاهة النظام في تل أبيب، ولن أتحدث هنا عما كان، رغم تاريخه الزاخر في الفساد المالي والإداري والأخلاقي، كما لن أتحدث عن الجانب السياسي لفساد القادة الإسرائيليين، الذين يؤمنون بإقامة دولتهم على أنقاض الشعب الفلسطيني، ومصادرة أرضه وانتزاع حتى أبسط حقوقه الإنسانية، في العيش كبقية شعوب العالم، إلا أنني سأتناول هنا ما سيكون، عبر عملية رصد لماهية الكنيست القادمة التي تحددها المعطيات والحقائق الحالية، والتي أشارت بكل وضوح إلى أننا على أبواب تشكيل كنيست إسرائيلية، وهي بالمناسبة المؤسسة التي لها الحق برسم كافة التشريعات في إسرائيل، يملؤها الفساد وينخر في أعماقها الخراب.

 

إن نظرة سريعة على طبيعة الأحزاب السياسية المتنافسة على مقاعد الكنيست القادمة، ونخص بالذكر قيادات تلك الأحزاب الكبيرة والشخصيات المتنفذة فيها، والتي ترسم معالم تلك الأحزاب وتحدد خطوط سياساتها العامة، تشير إلى أن خيارات الناخب الإسرائيلي في صناديق الاقتراع القادمة، ستكون محصورة في شخصيات أشبه برجال العصابات منها بالقيادات السياسية، في دولة تدعى الشفافية والنزاهة والديمقراطية، والتي كثيرا ما تفاخرت أمام المجتمع الدولي، بأنها تمثل واحة الديمقراطية الوحيدة، وسط بحر من مستنقعات الديكتاتوريات العربية.

 

ومن أجل تحري الدقة وتسهيل الأمور، نبدأ بقادة الأحزاب الكبيرة في ، حيث وكما يقول المثل العربي،) "إذا كان رب البيت للطبل ضارب فشيمة أهل البيت كلهم الرقص"، ومن هنا بالضبط تبدأ رواية "الزعران"، التي يتزعمها ويقف على رأسها نتنياهو، الذي يتم حاليا بحث ملف رحلاته الشخصية هو وزوجته وتمويلها، من قبل مراقب الدولة، بعد الحصول على تقارير تشكك في مصادر التمويل، وتشير إلى أنه حصل عليها بشكل غير مشروع، من خلال استغلال منصبه كرئيس للحكومة، وهو الشخص الذي يتزعم أكبر الأحزاب السياسية في إسرائيل، حيث أشارت كافة استطلاعات الرأي، إلى حصوله على أكبر عدد مقاعد في الكنيست القادمة، من بين كافة الأحزاب المختلفة.

 

أما في المركز الثاني فيحل أيهود أولمرت، رئيس الحكومة الإسرائيلية السابق، الذي أجبر على الاستقالة من منصبه، بعد التحقيق معه حول قضايا فساد، كانت أشهرها قضية مغلفات الأموال، التي كان يتلقاها من المتبرع اليهودي الأمريكي، وصاحب النهج اليميني المتطرف تلنسكي، وهو  يسعى الآن لتشكيل معسكر وسطي جديد، ينافس من خلاله نتنياهو على رئاسة الحكومة القادمة، عبر ضم تسيفي ليفني لتتسلم الموقع رقم 2 في هذا المعسكر من بعده، مع الإشارة إلى أن استطلاعات الرأي، تشير إلى أنه الوحيد القادر على تشكيل خطر حقيقي على نتنياهو في الانتخابات القادمة.

 

ومع أن المحكمة أعلنت براءة أولمرت من قضايا الفساد المنسوبة إليه بسبب خلل في شهادة الشاهد المركزي في القضية، بالإضافة إلى أن توقيت الإعلان عن تلك القضايا، والتقدم بشكاوى ضد ضده تثير الكثير من الشك، حيث عمد اليمين المتطرف إلى إثارة الدعوى تلينسكي، والذي كان يجمع التبرعات لصالح أولمرت، ليتمكن من الفوز برئاسة بلدية القدس، ومن ثم برئاسة الحكومة، بعد أن أعجب بعقليته اليمينية.

 

 إن ما يثير الشك حقا هو أن تحريك تلك الدعوى، جاء بعد أن بدأت حكومة أولمرت بطرح ملف القدس وترسيم الحدود فيها، على طاولة المفاوضات التي جرت بين وزيرة الخارجية الإسرائيلية آنذاك تسيبي ليفني، وأحمد قريع أبو العلاء الذي كان مسؤولا عن ملف المفاوضات في الجانب الفلسطيني، الأمر الذي أثار مخاوف اليمين الإسرائيلي، من إمكانية تقسيم القدس حقا، ومع أن اليمين المتطرف الذي استطاع أن يقتل رئيس حكومة سابق، اسحاق رابين لمضيه في مسار السلام، لن يعجز عن تلفيق أو توقيت قضية فساد ضد رئيس حكومة آخر، لمنع ذهابه بعيدا في هذا المسار، إلا أن ذلك كله لا ينفي حقيقة أو إمكانية تدفق مغلفات الأموال، من المتبرع الأمريكي تلينسكي إلى مكتب اولمرت في القدس مرورا بمديرة مكتبه.

 

أما في المركز الثالث فيأتي أرييه درعي، زعيم حركة شاس الدينية السابق، الذي اضطر لتقديم استقالته من الحكومة بعد إدانته بقضايا فساد مالي وسجنه، وها هو يعود من جديد ليتصدر قائمة شاس في الانتخابات القادمة، والذي منحته استطلاعات الرأي قدرا جيدا من عدد المقاعد، حيث حصل على المركز الثالث بعد الليكود والعمل، وعلى المركز الرابع في حال ترشح ايهود اولمرت، وهو ما يجعل منه حليفا استراتيجا ضمن أي ائتلاف حكومي قادم في إسرائيل.

 

وفي المركز الأخير من حيث عدد المقاعد التي سيحصل عليها في الانتخابات القادمة، يأتي ليبرمان، والذي ليس من الضروري أن يحل في المركز الأخير، ضمن قائمة السياسيين الفاسدين في إسرائيل، حيث أن ملفات مراقب الدولة في إسرائيل حبلى بقضايا الفساد، المتهم فيها ليبرمان، من عمليات تبييض الأموال والرشوة وخيانة الثقة، واستغلال المنصب لتحقيق مصالح شخصية، إلا أن ما يثير الاستغراب حقا، هو امتناع مراقب الدولة والنيابة العامة في إسرائيل، عن حسم الأمر والإقرار بتوجيه لوائح اتهام بحقه في قضايا الفساد تلك، ومن الممكن أن تكون هناك أسباب كثيرة وراء هذا الامتناع، لا مجال لذكرها هنا.

 

وإذا كان "على قدر أهل العزم تأتي العزائم"، فعلينا أن نتخيل شكل وطبيعة النظام السياسي القادم في إسرائيل، من خلال هذه العينة التي ستتصدر قائمة الكتل البرلمانية في الكنيست القادم، والذي سيكون أشبه بكنيست الزعران "الزعران" بكل تأكيد.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز