ثنائية وطن.. حالة تربص

  • الثلاثاء 2012-10-30 - الساعة 10:59

 

ثنائية وطن . . حالة تربص
 
بقلم: مصطفى الفقي
 
لا أخفي شعوري بالقلق العميق بسبب مسار الحياة السياسية في مصر خلال الفترة الأخيرة، فقد وصل حزب “الإخوان المسلمين”إلى الحكم ولا بأس من ذلك، إذ إن الفيصل هو “صندوق الانتخابات«، ولكن الذي يزعجني حالياً هو إحساسي بحالة “الثنائية”التي يمر بها الوطن، حيث يبدو “الاستقطاب”واضحًا بين التيارات الدينية والاتجاهات المدنية، وبرغم أنه يقع تحت المسميين مفردات كثيرة وتعريفات متعددة، فإننا نرى في ذلك ما يحتاج إلى التفصيل والدراسة، ف”مصر الثورة”يجب أن تتهيأ لمرحلة الانطلاق الحقيقي نحو المستقبل وبناء “مشروع النهضة”بمعناه الواسع ورؤيته الشاملة وليس من منظور حزبي ضيق، ولكن من منظور كامل لا يقبل التجزئة ولا يسمح بالغرق في التفاصيل . إن أمام صانع القرار المصري ملفات صعبة وقضايا معقدة ومسائل شائكة، لذلك فإن التوافق الوطني يبدو مطلباً ملحاً يجب أن تسعى إليه جميع الأطراف في هذه الظروف، لأن حالة التشرذم التي يعيشها المجتمع المصري وأسلوب التربص المتبادل لن تؤديا إلا إلى مزيدٍ من تصفية الحسابات والتراشق بالتصريحات، وتحويل الساحة الوطنية إلى حالة مزرية من التحزب الذي يصل إلى درجة التعصب، ولنا هنا بعض الملاحظات:
 
* أولاً: إن الوفاق الوطني لا يعني ذوبان القضايا الخلافية، كما لا يدل على أن وجهات النظر متطابقة، ولكنه يشير فقط إلى وقوف الجميع على أرضية وطنية واحدة من أجل غايات مشتركة تسعى إلى رفعة الوطن وإخراجه من محنته، والمضي به نحو تقدّمه .
 
* ثانياً: إن حالة الاستقطاب الحالية ليست في مصلحة كل الأطراف لأنها تستهلك الجهد والوقت والمال على حساب برامج “التنمية«، وتقتطع من عملية تعميق “الديمقراطية«، لأن الأخيرة تعني احترام “الرأي الآخر”وصيانة حق الاختلاف شريطة الالتزام بالقضايا الوطنية المشتركة مهما كانت الظروف، ومهما بلغت التحديات .
 
* ثالثاً: إن أمام المصريين مهمة عاجلة هي بناء وطنٍ مزقته الأحقاد الدفينة وجرفته السياسات المتخلفة والأساليب الحمقاء في الحكم والإدارة، فضلاً عن شيوع الفساد لعقود طويلة، ولذلك فإن أمامنا مسؤولية كبرى هي بناء الدولة العصرية الحديثة على أسس ديمقراطية صحيحة، والتمكين لاقتصادٍ وطني يكفل الحد الأدنى من المعيشة المقبولة بالمعايير الدولية، فضلاً عن تحقيق “العدالة الاجتماعية”بمعناها المقبول من جميع الطبقات والفئات دون استثناء .
 
* رابعاً: إنني مختلف تاريخياً مع فكر جماعة “الإخوان المسلمين«، ولكنني أحترم تماماً حقهم في الممارسة السياسية العصرية والحكم بإرادة الشعب وحده، ولقد دافعت عن حقهم طوال سنوات العهد السابق عندما كان يشير إليهم بعض حملة المباخر الآن بعبارة “المحظورة”أو”المنحلة”. . والمقالات موجودة والآراء موثّقة، لذلك فإنني أطالب جميع القوى الليبرالية بإعطاء الجماعة حقها الديمقراطي في إدارة البلاد، على أن يكون ذلك شراكة مفتوحة لكل المصريين والمصريات من ذوي الخبرات والكفاءات بقيادة الجماعة التي وصلت إلى سدة الحكم بالمعيار الديمقراطي الذي ارتضاه الشعب وقبلته الجماهير، ولذلك فإنني أبدي دهشتي لحالة التنابذ والكيدية التي تسود الشارع السياسي وتجعلنا أقرب إلى الهدم العاجز من البناء الناهض .
 
* خامساً: لقد أزعجني كثيراً أن أرى تكتلاتٍ تهدف إلى إسقاط تحالفاتٍ أخرى من دون الارتكاز على قضية وطنية أو مضمونٍ فكري، وكأن السعي إلى السلطة هدفٌ في حد ذاته، وأن حيازة الحكم هي الغاية الوحيدة أمام القوى السياسية المختلفة، وفي غمار ذلك تضيع المصلحة الوطنية العليا بل ويتهدد الأمن القومي أيضاً، ويكفي أن ننظر حولنا لنرى حجم المشكلات الداخلية والمخاطر الخارجية التي تطوق الوطن من كل اتجاه .
 
* سادساً: لا بد من همسة عتاب لأشقائنا من جماعة “الإخوان المسلمين«، (لقد تغيرتم كثيراً، فأنتم في الحكم غيركم قبله)، وهذا وضعٌ طبيعي، ولكن الأمر المقلق هو كم التصريحات غير المدروسة، بل والعبارات الاستفزازية أحياناً، رغم أنكم أمام فرصة تاريخية لا تأتي كثيراً، حيث تسيطرون على أهم مفاصل الدولة ومؤسساتها المختلفة، ولذلك يتعين عليكم أن تكسبوا المواطن المصري بكل طبقاته وفئاته وقطاعاته إذا أردتم الاستمرار في الحكم ومواصلة المسيرة من أجل البرنامج الذي تسعون إلى تحقيقه، واضعين في الاعتبار أن لغة الاستعلاء واستعراض القوة واستفزاز الآخر، هي أمور لا تخدم لا الهدف الوطني ولا الأممي لجماعةٍ عرفت السجون والمعتقلات قبل أن تدخل القصور والاستراحات! لأن من تعرضوا للظلم في تاريخهم يجب ألا يظلموا غيرهم إذا ما ابتسمت لهم الدنيا، وفتح الله أمامهم طريق الحكم بعد طول انتظار .
 
* سابعاً: أظن أن الرئيس مرسي  من خلال معرفتي الشخصية المباشرة به  هو من أكثر عناصر الإخوان تواضعاً وصبراً، لذلك فإنني أهيب بمعاونيه ورفاق مسيرته أن يتوقفوا عن إحراج الرجل وخلق أسباب التوتر في طريقه على نحوٍ قد يفقد الجماعة أرضيتها التاريخية، ولقد شعرت من لقاءٍ أخير مع المرشد العام بدرجة من السكينة واليقين، مع رغبة في إعطاء رئيس الجمهورية فرصته كاملة في الحكم من دون ضغوطٍ عليه أو ابتزاز له أو تعويق لقراره الوطني المستقل، ولكن يبدو أمامي أيضاً ما يستحق التأمل بمنطق المودة وحدها، إذ إن صديقاً عزيزاً مثل د . عصام العريان  وهو بالمناسبة مناضل حقيقي عرف السجون والمعتقلات طوال حياته السياسية  وقد عرفته عن قرب لسنواتٍ خصوصاً عندما كنت أعمل في مؤسسة الرئاسة منذ أكثر من عشرين عاماً، يبدو حالياً متوتراً حاد التصريحات، وتلك مفاجأة لي لأنني أحمل لتاريخه تقديراً خاصاً وأشعر بأنه قد أصبح مجهداً من مسيرة النضال أحياناً وغدر الرفاق أحياناً أخرى .
 
 . .أتوجه حالياً بكلمات صادقة إلى كل أشقاء الوطن، مطالباً بالتركيز على سياسات إصلاحية وبرامج تنموية وأفكار غير تقليدية تنتشل الوطن من معاناته، وتدفع به نحو آفاق رحبة، لأن مصر تستحق أفضل بكثير مما هي عليه، فليس أصدق من بيتين من شعر “المتنبي«:
 
الأول: “نامت نواطير مصر عن ثعالبها . . فقد بشمن وما تفنى العناقيد”
 
والثاني: “وكم ذا بمصر من المضحكات . . ولكنه ضحك كالبكا”
 
 
نقلا عن "دار الخليج"
 
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز