العيد والرواتب ... ورام الله

  • الخميس 2012-10-25 - الساعة 18:25

 

بقلم: د.حسن عبد الله

رام الله التي تحولت في السنوات الاخيرة الى مركز اقتصادي وتجاري ووظيفي ومؤسساتي ، وحظيت باهتمام رسمي واستثماري واهلي اكثر من شقيقاتها المدن الفلسطينية الاخرى ، لاعتبارات سياسية واقتصادية . هذه المدينة الحيوية التي لا تنام ، والتي تركض وتركض محاولة " اصطياد الغيم " ، تبدو قبل صرف الرواتب مدينة رتيبة، حزينة ، قلقة .

 

الموظف يشكو ، والتاجر يتذمر ، والسائق يقسم انه لم يلتقط سوى شواقل قليلة ، والمصارف خالية من طوابير الناس ، والفواكه والخضروات تتكدس في السوق وعلى جنبات الشوارع ، بينما المتجمعون في المقاهي يثرثرون ويحللون وتتباين توقعاتهم بين صرف نصف راتب ، او راتب كامل ..

 

رام الله بلا رواتب ، تصبح مدينة مشلولة ، الا من بعض الظواهر الترفيهية المترفة التي لا يرتبط اصحابها برواتب سلطة او مؤسسات خاصة ، لانهم ابتلعوا كل شيء.

 

رام الله بلا رواتب ، مدينة انسحابية ، تخفي ضجيجها ، وتقظم غيظها ، وتنام خفيفة المعدة والغطاء ، تخشى ان يفاجئها موظفو المياه والكهرباء ، يشنقون على اعتاب منازلها فواتير غير مدفوعة .

 

وفجأة يتم الاعلان ، ان الرواتب قد صرفت ، لتنهض رام الله من جديد ، وتدب الحركة في شوارعها ، ويقف التجار امام محالهم مبتسمين يمطرون المارين بكلمات الترحيب ، ويصبح الدخول الى سوق الخضار اشبه بمغامرة ، لانه مطلوب منك ، ان تتسلل بين امواج البشر المتدفقة . وعندما يتسنى لك الخروج من السوق حاملا غنائمك من البطاطا والبندورة والتفاح والخيار ، وتتجول قليلا في شارع المنارة او ركب او الارسال ، سرعان ما تقرأ السعادة في وجه بائع الفلافل والشاورما والسوبر ماركت وبائعة الفجل والعنب . ثم تجد نفسك محاصرًا بمئات المتسكعين في الشوارع المستفيدين من التدافع في الزحام ، ومحاصرا بأبواق سيارات الاجرة وكأنها تعبر عن حقد مكتوم طيلة شهر . اما العيد فيخلع عنه الملابس القاتمة ليشعّر الجميع بوجوده وحضوره في حركة التسوق ، حتى ينفق الموظف كل راتبه في يوم او يومين او اسبوع على اكثر تقدير ، فيغادر العيد ، ويجلس الموظف في المقهى او في مكتبه ، يجهد نفسه في التوقع : هل يتم في اخر الشهر المقبل صرف نصف راتب ام راتب كامل ، وتعود رام الله الى لعبة الانتظار .

 

لا ادري وانا اتابع مشهد رام الله بعد صرف الرواتب، لماذا تذكرت تجارب المعتقلين بعد انهاء الاضرابات المفتوحة عن الطعام وتحقيق بعض المطالب ، اذ خلال ايام الاضراب يسود الصمت الغرف الاعتقالية ، وينزوي المضربون على ابراشهم ، اقتصادا في الحركة وتوفيرا للطاقة ، وحتى الكلام يقتصر على الضروري ، حيث يمضي الانسان المضرب الوقت مع اوجاعه وذكرياته وتوقعاته ، وبمجرد الاعلان عن التوصل الى اتفاق مع ادارة المعتقل ينكسر جدار الصمت، وتنطلق الضحكات والتعليقات ، وتتبارى الاصوات في التعبير عن الفرح ، وتصبح قرقعة الطناجر والصحون اثناء توزيع الطعام من المعتقلين المكلفين بمثابة ايذان بتفجر حياة جديدة : انها مفارقة، فرام الله هي الاخرى تقرع صحونها وطناجرها بعد صرف الرواتب معبرة عن فرحها ، لكنه فرح مؤقت كفرح المعتقلين بين اضرابين مفتوحين عن الطعام .

 

اسئلة تنموية واقتصادية صعبة يطرحها العيد ورام الله والرواتب- الى متى سيظل اقتصادنا رهينة ميزانية مثقوبة، ورهينة ل " كرم" الدول المانحة وافراجات اسرائيل عن مردود الضرائب ؟ والى متى سيظل الفلسطينيون يدفعون من قوتهم وعرقهم وصبرهم ومستقبلهم فاتورة الاحتلال ، وفاتورة التبعية الاقتصادية ، وفاتورة غياب البرامج والخطط والمشاريع التنموية الحقيقية ؟ الى متى سنظل اسرى جملة واحدة:

 

" لقد صرفت الرواتب " لنتأكد اننا ما زلنا على قيد الحياة ؟!

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز