زوجة الحاخام!

  • الأحد 2012-10-14 - الساعة 18:36

 

الكاتب: حلمي الأسمر 
 
بدأت شكوكها فيما تعتقد حينما أدارت مفتاح الغسالة يوم السبت، وهو محرم عليها تشغيلها، حينها شعرت أنها كفرت بالتوراة، في المساء بدأت بتدريس أبنائها فصولا من التوراة، وفي منتصف الدرس، رمت بما في يدها، ووضعت الأولاد في الفراش، ثم.. أيقنت أنها "كافرة" بكل ما تعتقد، وأن عليها أن تعيش حياتها على نحو ما تريد، لا على نحو ما هو مفروض عليها!
 
هي في منتصف العشرينيات، ولها من زوجها الحاخام خمسة أولاد، وتعيش في حي كله من المتدينين، كانت حائرة بين ما تعتقد وبين وما تريد أن تفعله، وها هي أخيرا، تنفذ ما تريد، شاهدت قصتها أخيرا على إحدى القنوات، نقلا عن القناة العاشرة العبرية، وجرى تصويرها دون أن يظهر وجهها، كانت الساعة الثامنة مساء، وضعت أبناءها في الفراش، واتفقت مع سيارة أجرة، لتأتيها أمام البيت، غادرت المنزل، واستقلت السيارة، وهنا تحديدا، تحولت إلى امرأة أخرى، حيث تخلصت فيما السيارة تسير، من ملابس التدين، وبدت فتاة "علمانية" غير متدنية، بملابس فاضحة، حيث أوصلتها السيارة إلى ناد ليلي، والتقت بمجموعة من الأصدقاء والصديقات، وشاركتهم سهرة "كافرة" كما تقول، حيث شربت الخمر، وأكلت لحم الخنزير، وفعلت كل ما هو "محرم" عليها حسب شريعة المتدينين اليهود، وكانت سعيدة بكفرها، فيما كان صاحب الملهى فاغرا فاه، مندهشا لما يجري!
 
هذه المشاهد كانت مقاطع قصيرة من تحقيق متلفز طويل، لا تملك إلا أن تشاهده حتى النهاية، لما ينطوي عليه من كشف لظاهرة لافتة للنظر، تغوص بعيدا في عمق مجتمع "المستوطنين" اليهود الذين يعيشون على أرضنا، ويتمتعون بخيراتنا، وهم ابعد عما يبدون عليه من "تدين" أو اعتقاد بأحقيتهم المُدّعاة في هذه الأرض.
 
بالنسبة لي قرأت المشهد من عدة زوايا، لعل أهمها، ذلك الشعور بالانفصام بين "القشرة" التي يبدو عليها هؤلاء البشر، وبين حقيقتهم المختفية وراء هذه القشرة، خاصة وأن ما بدا في الفيلم، يكشف عن ظاهرة، وليس حالة فردية، حيث عرض لمجتمع كامل من "الكفار" حسب وصفهم هم، يرتدون ملابس المتدينين نهارا، ويرمونها ليلا، وبينهم حاخامات متدينون، يبيعون الناس نهارا مواعظ وتعاليم توراتية، أما في الليل، فهم أبناء ليل حقيقيون، بكامل نصاب الليل!
 
زاوية أخرى للمشهد، تلفت النظر، ثمة ثقافة تحريضية عميقة يتزود بها المتدينون ضد من يسمونهم بالعلمانيين، وهي ثقافة تشرخ التجمع اليهودي بعمق، تجعل من لقاء الطرفين ضربا من المستحيل، فمجرد انتقال زوجة الحاخام إلى المعسكر الآخر، يعني انتهاء علاقتهما الأسرية وطردها من البيت، وأخذ أبنائها، وقل نفس الكلام عن الحاخام "المرتد".. كل هذا يوصلك إلى نتيجة مفادها هشاشة البنية الاجتماعية للتجمع اليهودي في فلسطين، وسهولة اختراقها ومواجهتها، لو توفر الحد الأدنى من القوة والمشيئة لدى أصحاب الأرض، ومن وراءهم من عرب ومسلمين، أنت في حقيقة الأمر أمام "دولة" هشة بكل معنى الكلمة، لا تصمد أمام مواجهة حقيقية عسكريا، فكيف إذا عرفنا أيضا هشاشتهم الاجتماعية، وزيف تدينهم؟؟ 
 
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز