الحد الادنى للاجور في فلسطين: كيف تم اقراره؟

  • الثلاثاء 2012-10-09 - الساعة 10:01

الحد الادنى للاجور في فلسطين: كيف تم اقراره؟

د. حازم الشنار
 
انتهت بنجاح اليوم المفاوضات الجماعية بين ممثلي مؤسسات القطاع الخاص التي ضمت خمس مؤسسات هي الغرف التجارية والصناعية ومركز التجارة الفلسطيني (بالتريد) واتحاد الصناعات الفلسطينية وجمعية البنوك واتحاد المقاولين من جهة؛ ونقابات العمال التي ضمت الاتحاد العام لنقابات عمال  فلسطين والاتحاد العام لعمال فلسطين والنقابات المستقلة ونقابة العاملين في الجامعات من جهة اخرى؛ وبمشاركة فاعلة من ممثلي الحكومة في خمس وزارات ذات علاقة هي العمل والاقتصاد الوطني والمالية والتخطيط والعدل والتي استمرت قرابة الثماني شهور في اطار اجتماعات اللجنة الوطنية لوضع نظام الحد الادنى للاجور التي شكلها مجلس الوزراء بقيادة وزير العمل،  حيث نجح الفرقاء الثلاثة بالوصول الى توافق حول نظام الحد الادنى للاجور يشكل قاسما مشتركا لمصالح العاملين واصحاب العمل. ويأتي هذا الانجاز في الوقت المناسب كاستجابة لمتطلبات مواجهة ازمة الغلاء ومكافحة الفقر،  والتصدي لتجليات الازمة الاقتصادية والمالية الاخرى التي عصفت بالاراضي الفلسطينية مؤخرا. ونظرا لان الاتفاق يمس مصالح قطاعات وفئات واسعة من الشعب فمن المهم ان يتم شرح تفاصيل الاتفاق وحيثياته للجمهور ليكون على علم ودراية ليس بالارقام وكيفية الوصول اليها فحسب بل بموعد بدء واليات تطبيق الاتفاق ايضا.
 
منهجية عمل اللجنة
 
التزمت اللجنة باجتماعات متوالية وشبه اسبوعية لكامل هيئتها او لممثلي احد الفرق الثلاث او اثنين منهم وشارك في الاجتماعات سكرتاريا اللجنة المشكلة من وزارة العمل والتي وفرت التسهيلات اللوجستية والادارية والتنظيمية للاجتماعات بل شاركت في الجلسات الرسمية وفي اللقاءات والاتصالات خارجها وبمشاركة مراقبة في بعض الاحيان من مندوب منظمة العمل الدولية. وقد اتفقت اللجنة في بداية عملها على منهجية العمل وبرنامج النشاطات والاسس والمحددات التي سيتم احتساب الحد الادنى للاجور على اساسها حيث اتفق على ان يتم احتساب  حد ادنى وطني واحد للاجر و وان يكون المستهدف منه العمال غير المهرة فقط. 
 
النشاطات التمهيدية 
 
عقدت اللجنة العديد من ورش العمل حول الاحصاءات والابحاث المحلية والعالمية ذات العلاقة، وتم تزويد اعضاء اللجنة بالادبيات والبيانات المتوفرة محليا وعالميا حول الموضوع،  كما تم دعوة خبير من منظمة العمل الدولية بالتعاون مع خبير محلي لاعداد دراسة حول واقع العمالة والاجور في فلسطين مستفيدين من قاعدة البيانات التي قدمها الجهاز المركزي للاحصاء المدعمة بالشروحات والتوضيحات لمنهجية جمع البيانات واحتسابها وقام الخبيران بتقديم مقترحات حول الحد الادنى للاجور، كما تم تبني المنهجية المعتمدة عالميا  والقاضية باحتساب الحد الادنى للاجر بناءا على قسمة الحد الوطني للفقر على معدل اعالة الاسرة (العاملين فيها).
 
وقد ساهمت النشاطات التنويرية التي قامت بها اللجنة  بكامل هيئتها او لاي من مكوناتها في توحيد المفاهيم والمنهجيات لدى اعضاء كل الفرقاء واهمها:
 
أن الحد الأدنى للأجور بالقدر الذي يهتم برفع مستوى المشتغلين يجب أن يضمن عدم زيادة نسبة البطالة أو على الأقل أن لايقف عقبة أمام حلها، ولذا ينبغي أن لا يكون مرتفعا عن متوسطات الأجور الحالية للعمل بل لابد ان يكون اقل من وسيطها.
 
أن الحد الأدنى للأجور بالقدر الذي يهتم بمصالح المشتغلين يجب أن يراعي مصالح المشغلين وان لا يمس بصورة جوهرية بقدرتهم على الاستمرار في أعمالهم وقدرات سلعهم التنافسية في السوق وان لايؤدي الى رفع للاسعار .
 
تطبيق الحد الأدنى للأجور ينبغي ان يتم بالتلازم مع المحددات ذات العلاقة المنصوص عليها بالقانون.
 
المداولات الاولية
 
بعد انتهاء المرحلة التنويرية  طلب الى  ممثلي نقابات العمال ومؤسسات القطاع الخاص تقديم ورقة موقف لكل منهما، على ان تكون هناك ورقة واحدة تمثل موقفا موحدا لكل فريق. وقد تقدم اصحاب العمل بورقة موحدة رغم بروز موقف متميز لاتحاد المقاولين اكثر انحيازا لمواقف العمال، لكن نقابات العمال تقدمت بورقة عن كل منها على حدى في البداية وقد تطلب التقاء وتقريب وتوحيد مواقف النقابات عدة جلسات. وتمت مناقشة مواقف كلا الفريقين في اجتماعات اللجنة بكامل هيئتها اوباجتماع  الفريق الحكومي مع كل من الفريقين الاخرين على حدى، وقد ساهمت تلك الاجتماعات الرسمية واللقاءات غير الرسمية (وراء الكواليس) في تقريب وجهتي نظر ممثلي القطاع الخاص و نقابات العمال من  خلال رفع سقف التزامات اصحاب العمل وخفض سقف مطالب العمال. 
 
ثم ومن اجل جسر الهوة المتبقية بين مواقف الفريقين قدم الفريق الحكومي تلخيصا لتحليل سيناريوهين قريبين من موقفي فريقي اصحاب العمل ونقابات العمال (الحد الادنى 1200 شيكل والحد الاعلى1600 شيكل) من حيث مدى التغطية والتكلفة والشمول لكل منهما ووفقا لانعكاس كل منهما على واقع العمالة والاجور والتركيب العمري والجنسي والجغرافي والقطاعي للعاملين المستهدفين في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة.
 
  وقد اقترح الفريق الحكومي ان تشكل الورقة ومحدداتها اساسا للاتفاق دون اي الزام، وقد ابدى فريق اصحاب العمل مرونة واستجابة لذلك، لكن ممثلي العمال ومن باب المناورة واصلوا التمسك بسقف اعلى وهو الحد المدقع للفقر(1780شاقل)  دون مراعاة نسبة الاعالة ومطالبة قسم اخر باحتسابه على اساس المياومة و الساعة بمعدلات مرتفعة نسبيا، وواصل القسم الاول القيام بانشطة احتجاجية في الشارع وخارجه. ولم تخل الاحتجاجات من اتهام الحكومة من الانحياز لصالح القطاع الخاص او من تقاعسها عن اتخاذ موقف حاسم وسريع لصالح العمال واتخاذ قرار بتحديد الحد الادنى للاجور حسبما تراه مناسبا، لكن الفريق الحكومي الذي نالته اتهامات معاكسة من جانب ممثلي القطاع الخاص غير مرة اصر على موقفه المتوازن ووقوفه على مسافة واحدة من الفريقين وعلى ان يتم الاتفاق على نظام الحد الادنى للاجور من خلال المفاوضة الجماعية بينهما في اطار اللجنة الوطنية التي يشارك الفريق الحكومي فيها بصفته ميسرا لعملها ومحكما بين الفريقين.
 
المفاوضات الجماعية
 
وحسما للمواقف وبعد انتهاء المرحلة الاستقصائية لها، اعلن رئيس اللجنة - وزير العمل بدء المفاوضات الجماعية بين الفريقين وبمشاركة الفريق الحكومي كمسهل لها ومحكم بين الفريقين وتم الاتفاق على سقف زمني للوصول الى اتفاق هو 15/10/2012، وتم التأكيد على اهمية الوصول الى اتفاق بالتوافق قبل هذا التاريخ والا سيتم اللجوء للتصويت.
ومن اجل وضع المواقف على اسس واقعية ولتنوير الطرفين ولترسيخ الاسس النظرية والعملية لاحتساب الحد الادنى قامت منظمة العمل الدولية بتنظيم حلقة دراسية لممثلي اصحاب العمل والنقابات و مندوبي وزارة العمل في عمان واطلاعهم على التجارب الاقليمية في احتساب الحد الادنى للاجر، ولتوفير اجواء ملائمة للحوار وقطع شوط فيه حيث جرت محاولات حثيثة للتوصل الى توافق بين ممثلي القطاع الخاص والنقابات وبمشاركة فاعلة من مندوب الوزارة على هامش الورشة المذكورة.
 
لكن ممثلي العمال واصحاب العمل رغم الاجواء الايجابية التي سادت الجلسات الخمسة للمفاوضات والتي تخللتها الورشة المذكورة ورغم التقارب الحاصل في المواقف  لم يتمكنوا من الوصول الى اتفاق بينهم، مما دفع وزير العمل باسم الفريق الحكومي الى تقديم مقترح توفيقي لمسودة نظام الحد الادنى للاجور بما يشمل الرقم  وموعد التنفيذ ومحدداته، وامهل مندوبي الفريقين الرد عليه تمهيدا للجلسة الختامية الحاسمة.
 
وقد اسفرت الجلسة السادسة للمفاوضات  اليوم عن اقرار مشروع  نظام الحد الادنى للاجور باجماع الاعضاء الحاضرين وموافقة عضو تغيب بعذر ( اي 13عضو من اصل 15 مجموع اعضاء اللجنة) الذي تم اقتراحه بموافقة ممثلي جميع الفرقاء والمشار اليه اعلاه والذي يتضمن العناصر الاساسية التالية:
 
أ‌- مبالغ الحد الأدنى للأجور الشهري واليومي وبالساعة:  حيث تم احتسابها  من واقع احدث  البيانات الرسمية المتوفرة للمؤشرات ذات العلاقة :
 
1. الحد الادنى للاجر الشهري: 1450 شاقل وقد تم احتسابه تقريبا بقسمة الحد الوطني للفقر 2372 على معدل الإعالة في الأسرة الفلسطينية (عدد العاملين مقسوما على عدد الاسر) 1.6شخص لكل أسرة وهي المعادلة المعمول فيها عالميا، وهي بالمناسبة نفس المعادلة التي تم اعتمادها في تحديد الحد الادنى للاجر الشهري في اسرائيل  قبل يومين .
2. الحد الادنى للاجر اليومي : 65 شاقلا حيث تم احتسابه بما لا يزيد عن المتوسط الحالي  75.8شاقل ولا يقل عن الوسيط الحالي 61.5 شاقل  شريطة ان لا يتجاوز عدد ايام العمل بالمياومة متوسطه الحالي للعمل غير الماهر وهو 20 يوما.
 
3. الحد الادنى لاجر الساعة: 8.5 شاقل.
 
ب‌- موعد البدء بتطبيق النظام:1/1/2013  على ان تقوم المؤسسات  والشركات ذات العلاقة بتصويب اوضاعها حتى ذلك التاريخ.
 
ت‌- المحددات القانونية في تطبيق النظام والمنصوص عليها بالقوانين المرعية وبشكل خاص قانون العمل.
 
 إن تطبيق هذا النظام وان كان الحد الأدنى فيه يبدو متواضعا إلا أن تطبيقه على مستوى الوطن سوف يحتاج إلى جهود جبارة وهو بالمناسبة يتطابق مع الحد الأدنى المعمول به في الحكومة ، بل انه يشكل حلا توافقيا ومخرجا لجميع الفرقاء وخصوصا للحكومة التي ألزمت نفسها بتبنيه. 
 
 
 
 
*الوكيل المساعد لوزارة الاقتصاد الوطني وممثلها في اللجنة الوطنية لوضع الحد الادنى للاجور
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز