تجسيير الكليات الجامعية المتوسطة بالجامعات واجب وطني

  • الإثنين 2012-10-08 - الساعة 14:34

 

 
ربط المعرفة التقنية والمهنية بالمزيد من المعرفة النظرية
 
تجسيير الكليات الجامعية المتوسطة بالجامعات واجب وطني 
 
 
 المهندس خالد بطراوي
 
كنت – وما زلت – وسأبقى حتما أردد مقولة هامة للغاية هي في جوهرها بعيدة كل البعد عن الذاتية وتعبر عن طموح وارادة.
 
تقول هذه المقولة " ليس جنديا من لا يمطح أن يصبح جنرالا".
 
على امتداد 28 عاما من عملي في مجال الهندسة والهم الوطني العام، تعلقت بحادثتين على الصعيد المهني بلورتا لدّي مجموعة من المفاهيم المتعقلة بأهمية التعليم المهني والتقني من ناحية وبأهمية تجسيره من ناحية أخرى بل واعطاء الأولوية في الالتحاق بالجامعات لأولئك الذين تخرجوا من كليات جامعية متوسطة كي يواصلوا رفد معرفتهم بمزيد من المعارف النظرية العلمية تحقيقا لمقولة " ليس جنديا من لا يطمح أن يصبح جنرالا".
 
الحادثة الأولى أيها ألأحبة ، أننا في الانتفاضة المباركة الأولى وفي أعقاب القرار العسكري الاسرائيلي باغلاق كافة المؤسسات التعليمية، نفذنا قانون نيوتن الثالث الذي يقضي بأن " لكل فعل رد فعل ... مساو له في المقدار ... ومعاكس له في الاتجاه" بأن بدانا التعليم البديل الذي أضحت المشاركة به لاحقا فعلا من الأفعال التي تستوجب السجن. وكان أن توجهت لتدريس طلبة مهن هندسية مساعدة في معهد مهني متوسط.
 
لقد انبهرت بهذه التجربة، انبهرت بذكاء الطلاب وبمعرفتهم العملية، وبصراحة تعلمت منهم. ولفت نظري أحد الطلبة الذي كان يحل بعض المعادلات الفيزيائية المتعلقة بالأحمال وتوزيع القوى بصورة مذهلة كانت أقرب الى لمح البصر.
 
تجرأت وأفصحت للطالب عن اسمي الحقيقي، وقلت له أن يتصل بي عندما ينهي دراسته. وبالفعل بعد عام ونيّف التقيت هذا الطالب المبدع. أخذت أوراقه على عجل، وتوجهت الى زميل مهندس – رحمه الله – كان رائدا في الاهتمام بالطلبة المتفوقين، وخاطبنا مؤسسة تسمى " النداء الفلسطيني الموّحد" وحصلنا لهذا المتفوق على منحة لمواصلة تعليمه الجامعي. وبالفعل توجه الى الخارج، وواصل بعد المعهد الجامعي المتوسط دراسة البكالوريوس في الهندسة وتفوق على دفعته تفوقا أذهل الجامعة التي أصرت على أن يواصل تعليمه لنيل درجة الماجستير التي تخطاها بسرعة وبتفوق معيدا في الجامعة، ثم سار هذا الجندي " واثق الخطوة"  نحو الدكتوراه ونالها بتفوق وعيّن فورا ودونما تردد في ذات الجامعة، وبرز أكاديميا وعمليا فأصبح وبجدارة عميدا لكلية الهندسة المعمارية هناك، وسجل في سفر هذه الجامعة أن حقبة ما زادت عن العشرة أعوام كان عميد كلية الهندسة المعمارية فيها فلسطينيا. حاليا يعمل هذا البروفيسور في احدى الجامعات المحلية بعد أن عاد الى أرض الوطن ، فالوطن يفتح ذراعيه. كان تلك الحادثة الأولى لجندي أصبح جنرالا.
 
حادثتي الثانية كانت مع مهندس فلسطيني عمل لسنوات في وكالة الفضاء الأمريكية "ناسا" وعاد للعمل في الوطن في تسعينات القرن المنصرم ويحمل شهادة الدكتوراه. دخلت على مكتبه فوجدته في المطبخ يدخن سيجارته مهموما ومنرفزا وهو يحاول منذ أكثر من ساعتين أن يصلح ماسورة مياه الصرف الصحي البلاستيكية للمجلى قطر 2 انش، وكان حانقا على البشرية في بلادنا التي لم تصنع وصلة تصل بين الماسورتين ( مع العلم أنها موجودة) . ابتسمت وطلبت قداحته، أحميت الماسورة السفلية من أطرافها، دسست فورة الماسورة العلوية، انتظرت كي تبرد الماسورة السفلية ثم فتحت صنبور الماء. نظر اليّ مشدوها. غيرت مجرى الحديث طالبا كوبا من الشاي بالميرميه.
 
ان أي مبتدىء في مهنة " المواسرجي" كان ليعرف ببداهته ماذا سيفعل في هذه الحالة بينما دكتور في الهندسة كان الحل أقرب الى فمه استغرقه الأمر ساعات وساعات وهو يجاهد دون أن يعرف أن ولاعته هي الحل السحري عندما لا نجد الوصلة المطلوبة.
 
وتكررت الحوادث عندما كان طلبة كلية الهندسة في الجامعات يحضرون للتدريب لديّ وكنت – وما زلت – أعطيهم كل معرفتي العملية المهنية، فهم مسلحون بالنظرية ويلزمهم التطبيق. أحترم دكتور الجامعة الذي كان يشرف على فترة التدريب العملي للطلبة وطلب مني أن يرافقنا كي يتعلم أنواع دقاقة الحجارة في فلسطين، أحترمه كثيرا لأنه لم يخجل أن يتفوه بذلك ولأنه حضر بالفعل وشارك تلامذته في التدريب.
 
أيها الأحبة، ان التطور العلمي والتكنولوجي المتسارع يوميا يستدعي أن نتوقف وقفة جادة وملتزمة تجاه اعلاء شأن التدريب المهني والتقني، يستدعي أيضا أن نمسك بيد من تعثر ذات يوم في امتحان دراسة الثانوية العامة وحصل على مجموع لا يؤهله دخول الجامعة أن يلتحق بالجامعة مستقبلا بعد انهاء دراسته الجامعية المتوسطة وكذلك العكس بمعنى أن يلتحق طلبة الجامعات بدورات مهنية متخصصة في كليات جامعية متوسطة كل وفقا لتخصصه على نحو يصبح ذلك متطلبا من متطلبات التخرج. ان التجسير ما بين الكليات الجامعية المتوسطة والجامعات هو تجسير باتجاهين وليس باتجاه واحد.
 
بخلاف ذلك، سنبقى نحلق في النظرية ونرفد سوق العمل الفلسطيني بكفاءات منقوصة، أما متسحلة بالمعرفة المهنية والتقنية أو متسلحة بالمعرفة النظرية فقط وان حصل تداخل فهو تداخل محدود، على نحو يردد على مسامعك الخريج الجامعي " في الجامعة ندرس شىء وعلى أرض الواقع كليا مختلف".
 
التجسير بين الكليات الجامعية المتوسطة والجامعات ( باتجاهين) واجب وضروري ان كنا نريد أن نسلح الجيل الجديد بأسس التفكير العلمي السليم في عصر بدأت فيه البشرية تنطلق نحو الكواكب الأخرى حيث هبطت اول مركبة فضائية على سطح المريخ وتردنا تباعا تقارير علمية عن ماهية هذا الكوكب.
 
وللمناسبة أتقدم بعظيم الشكر والتقدير لمبادرة معالي الدكتور علي الجرباوي وزير التعليم العالي بتأليف لجنة وزارية لدراسة مسألة التجسير ، والمضي بهذا الإتجاه حيث أن التجسير أصبح ضرورة وطنية ، كما الماء والأكسجين ، ونتمنى على الدكتور جرباوي أن يزود اللجنة بمزيد من الكفاءات وبخاصة الخبراء من الكليات المتوسطة الحكومية والخاصة .
 
 

 

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز