الأوراق التركية وأوهام النظام

  • الجمعة 2012-10-05 - الساعة 13:57

 

 

وليد شقير
 
سواء تقصّدت القيادة السورية ذلك أم لم تقصده، فإن سقوط القذيفة التي أودت بحياة خمسة مواطنين أتراك وجرح آخرين في بلدة حدودية سبق أن تعرضت للنيران السورية، جراء الاشتباكات بين الجيش النظامي السوري وبين «الجيش السوري الحر» على الأراضي السورية، شكل تحدياً لأنقرة اضطرت للرد عليه بقصف مواقع انطلاق القذيفة.
 
لم يكن ممكناً للجانب التركي أن يسكت هذه المرة عن هذا الخرق، بعد أن كان حافظ على ضبط النفس عند إسقاط الطائرة التركية في شهر حزيران (يونيو) الماضي، بناء لتدخلات غربية وروسية وإيرانية معه، كي يمتنع عن تصعيد الموقف. وأتاح الغموض الذي أحاط بإسقاطها أسئلة من نوع: هل كانت في الأجواء السورية أم فوق المياه الإقليمية وهل تم إنذارها من الجانب السوري قبل ذلك؟ لكن ما صدر من تسريبات عن نتائج التحقيقات بسقوطها أخيراً والتي أشار بعضها الى أن الأمر بذلك صدر عن الرئيس بشار الأسد وأن الطائرة كانت فوق المياه الإقليمية، فضلاً عن تعدد الروايات حول مقتل الطيارين اللذين كانا على متنها جعل الرد محتماً هذه المرة.
 
إلا أن لحيثيات الرد التركي الذي يعني تعامله العسكري مع الخروق السورية للحدود انتقالاً بالبعد الإقليمي للأزمة السورية الى مرحلة جديدة، ظروفاً مختلفة تماماً عن حيثيات التعاطي الأردني واللبناني مع عمليات خرق الحدود لهاتين الدولتين. عمّان أظهرت تشدداً إزاء الخروق السورية وردت أكثر من مرة على إطلاق النار عبر حدودها، وأعلنت عن كشفها اختراقات استخباراتية في صفوف اللاجئين. إلا أنه تشدد محسوب. فعمّان لا تنوي خوض مواجهة مع النظام السوري في ظل غموض إقليمي حول الموقف من مواجهة كهذه. ولبنان اكتفى بالاعتراض السياسي والديبلوماسي وهو أمر كان تجرؤاً يُحسب لرئيس الجمهورية ميشال سليمان، يعاكس الهيمنة التاريخية لنظام آل الأسد على القرار اللبناني، وفي ظل وجود حلفاء للنظام يؤمنون التغطية الكاملة لخروقه، بل يخرقون هم أنفسهم الحدود في الاتجاه السوري لإعانته (منذ بداية الأزمة) على الصمود في مواجهة الثوار، كما كشفت عملية تشييع قيادي وعناصر من «حزب الله» الأحد الماضي كانوا يقاتلون الى جانب النظام هنا وهناك.
 
جاء الاختبار التركي في ظل مخاوف من أن يمعن النظام السوري في سياسة نقل الأزمة الى دول الجوار، في محاولة منه لقلب المعادلة. فكلما ازداد عجزه عن سحق الثوار وتصاعد ارتكابه للمجازر وارتفعت وتيرة تدميره الهائل للمدن السورية، تعزّز أكثر خيار انتقال سياسي في السلطة يبدأ بتنحي الرئيس. وهو في المقابل يسعى الى الهروب الى الأمام فيتوهم أن الإصرار على رحيله سيؤدي الى تصاعد المواجهات وبالتالي الى تهديدها للأمن الإقليمي الأمر الذي يشغل العالم عنه ويدفع الدول الفاعلة الى صرف النظر عن إسقاطه مقابل أولوية حفظ الاستقرار الإقليمي.
 
ذهبت الأوهام بقادة النظام السوري وحلفائه الى حد الحديث عن أن نظام عبدالله غُل ورجب طيب أردوغان ذاهب الى أزمة كبرى بسبب انتقاد بعض معارضيه لسياسته حيال سورية، وحيال الأكراد، وبفعل العمليات التي ينفذها حزب العمال الكردستاني ضد الجيش التركي انطلاقاً من الأراضي السورية التي أخلاها النظام لمقاتلي الحزب، فضلاً عن الهجمات من الأراضي العراقية والتي تحظى أيضاً بدعم إيراني.
 
العالم الافتراضي الذي يعيشه النظام السوري جعله يعتقد أنه في حال هجوم خارج حدوده، لشدة استغراقه في نظرية الحرب التي تُشن عليه من الخارج، فيما هو غير قادر على استعادة ما خسره في حربه الدفاعية عن حكمه وفي مواجهة معارضيه المصرّين على إسقاطه.
 
جاء الاختبار التركي بعد أيام قليلة على مؤتمر حزب «العدالة والتنمية»، الذي بدا تظاهرة لدول الربيع العربي وللإخوان المسلمين في شتى الأقطار. وإذا جاز وصف المناسبة بأنها أظهرت امتلاك تركيا أوراقاً كبرى، فإن وجود الرئيس المصري محمد مرسي ورئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» خالد مشعل وقادة «الإخوان» والمعارضة في سورية وغيرها أبرز رهان أنقرة على الإفادة من الربيع العربي، وشكل الموقف من النظام السوري نقطة التقاء أساسية بين مصر وأنقرة على رغم التنافس الضمني على الدور الإقليمي بين الدولتين، في مقابل الأوراق الإقليمية لإيران التي تتقلّص رقعتها شيئاً فشيئاً لأن رهانها ما زال على إبقاء نظام الأسد مهما كان الثمن. ولعل الهجوم السوري العنيف على مرسي ومشعل هو الذي يفسّر مدى الخسائر التي تصيب المحور السوري – الإيراني.
 
إذا كان من تبقى مع النظام في دمشق لم يدرك هذا المناخ الذي أحاط بسقوط قذيفة على قرية تركية، نتيجة أوهامه، فقد بات على حلفائه أن يدركوه عنه
 
المصدر: الحياة اللندنية
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز