"وجوه من زمن النهضة"

  • الإثنين 2012-09-24 - الساعة 11:21

 

"وجوه من زمن النهضة"
 
بقلم: خالد الحروب*
 
 
يرحل بنا ابراهيم العريس في كتاب شيق بعنوان "وجوه من زمن النهضة", الصادر حديثا عن مؤسسة الفكر العربي الى تلك الحقبة التاريخية الغنية والمفصلية في تاريخ العرب الحديث, فكريا وسياسيا، والتي اصطلح على تسميتها بـ "عصر النهضة"، اي الشطر الاعرض من القرن التاسع عشر الى النصف الاول من القرن العشرين. في تلك اللحظة شبه الفريدة في تشكل الوعي العربي وانسلاخه عن الارث العثماني الامبرطوري الذي حكم المنطقة لقرون طويلة ارتطمت اسئلة كبيرة وحاسمة بعضها ببعض جوهرها البحث عن مسارات الانفكاك من التخلف التاريخي الذي وجد العرب انفسهم يواجهونه مع انهيار الخلافة التركية وانكشاف هشاشتها. كانت "صدمة اوروبا" وتقدمها المدهش مقارنة بواقع العرب والمسلمين المتردي المحرك الاساس الذي شغل عقول وافهام اجيال متلاحقة من المفكرين والاصلاحيين العرب, وهي "الصدمة" التي يؤرخ لها بالحملة الفرنسية على مصر, ثم المحاولة الاولية الجادة للتحديث والاوربة والتي قادها محمد علي لاحقا. 
 
في "وجوه من زمن النهضة" يختار العريس 17 "نهضويا" يرى انهم ساهموا في تأسيس انتقال منهجي في الوعي العربي أسه استزراع العقل والعقلانية وارضيته الشائكة محاوله مزاوجة الحداثة الاوروبية مع الاسلام. يتنوع طيف اولئك النهضويين ويمتد على يمين ويسار السؤال المركزي: هل بالإمكان القيام بتلك المزاوجة وكيف؟ في التصدي لهذا السؤال تنوعت الاجابات, فكان ثمة جيل من اوئلك النهضويين (المحافظين) لا يرى ضرورة في الاتجاه نحو اوروبا بل يرى ان طريق الانفكاك من التخلف يكمن في اعادة استنهاض الذات والتراث واصلاحه. وكان ثمة فريق يرى ضرروة تبنى الحداثة الاوروبية بإعتبارها الشكل والنظام الثقافي والسياسي والاقتصادي الذي نجح في نقل اوروبا من عهود الانحطاط والاقطاع الى عصر العلم والتقدم والنجاح. وكان هناك فريق وسطي يرى ان الحل هو اجتراح صيغ توفيقية بين التقليد والحداثة الاوروبية واختيار ما يناسب العصر من الإثنين, بما يحمي الهوية والاصالة, لكن في ذات الوقت الانفتاح الانتقائي على الغرب وقيمه ونظمه. "النهضويون" الذين يختارهم العريس في رحلته ينتمون في مجملهم للفريق الوسطي الثالث, ولا نرى تمثيلا كافيا وموازيا للفريقيين الاخرين (بما يحرم الكتاب من سجالية فكرية كانت ساخنة ومثيرة للتفكير والافكار على مدار تلك العقود). نرتحل في الكتاب مع افكار المفكرين التاليين: رفاعة الطهطاوي, جمال الدين الافغاني, عبد الرحمن الكواكبي, علي مبارك, محمد رشيد رضا, خير الدين التونسي, جرجي زيدان, شكيب ارسلان, امين الريحاني, جبران خليل جبران, محمد كرد علي, طه حسين, عباس محمود العقاد, توفيق الحكيم, فاطمة (روز) اليوسف, يحي حقي, ونجيب محفوظ. لكننا لا نعثر على آخرين لا يقلون شهرة وتأثيرا وانفعالا بالسؤال المركزي, وانحيازاً للحداثة سواء بالقطع مع الماضي, او بالدعوة الصريحة لتحييد الدين عن السياسة بحسب التجربة الاروروبية (من امثال شبلي شميل, علي عبد الرازق, قاسم امين, ساطع الحصري, او هشام شرابي).
 
التبرير المُستبطن في الكتاب وكما يرد في مقدمة العريس يقوم على ان السجال التاريخي بين تلك التيارات الرئيسية الثلاث في التصدي لمسألة التخلف وكيفية الانفكاك منه قد استقر عمليا على انتصار الفريق الوسطي الذي سيطرت افكاره على تبلور الفكر السياسي والاجتماعي العربي وتطبيقاته على ارض الواقع. لم تعد المسألة جدلا نظريا وصراعا على مستوى الافكار بل انتقلت, مع بروز دولة الاستقلال العربية وتوجهاتها العملية, الى نطاق الممارسة. ومن هنا يبدو انحياز الكاتب والكتاب الى الواقع العملي الذي كان ايضا الشغل الشاغل للنهضويين جميعا ايا كانت مواقعهم. يرى العريس ان الانجاز التاريخي "الفريق الوسطي" في مفكري عصر النهضة يكمن في تعزيزهم سلطة العقل وكسبهم مساحات مهمة على حساب الجمود والتكلس الذي تراكم خلال قرون طويلة مدعيا حماية الدين والنص. وان جرعات التعقلن الفكري والسياسي التي جاءت اساسا من خلال اعادة قراءة الجابب العقلاني والتقدمي في التراث نفسه, واستخدامها وتوظيفها لإستجلاب القيم الحداثية ومزاوجتها مع واقع العرب والمسلمين, وهي آلية تمنح هذه القيم "براءة اختراع" محلية تسهل استزراعها في بيئات متشككة ورافضة لما قد يأتي من الغرب. وبوضوح اكثر يقول العريس: "... وفي يقيننا ان اكتشاف مفكرينا المحدثين لعصر النهضة هو الطريقة الافضل للعودة الى اكتشاف التراث والتاريخ الاسلاميين ... واكتشاف تراثنا وتاريخنا عبر الفكر النهضوي هو الوسيلة الفضلى التي تمكننا من ادراك حقيقة هذا الدين العظيم .. هذا الدين الذي لا يزال يشع بأنوار العقل حتى يومنا هذا وسيظل يشع بأنوار العقل مهما وضع من الغام في طريقه, سواء اكانت الغاما تأتي من الخارج أم الغاما تأتي من الداخل". 
 
مشكلة مقاربة العريس, في مآلاتها النهائية, هي ذاتها المشكلة الحادة التي حاول الالتفاف عليها تيار النهضويين الوسطيين خلال تلك العملية التاريخية لإحداث المزواجة المأمولة والمتمثلة في "حتمية" الشرعنة الدينية لكل ما هو قادم من خارج نطاق منظومة القيم التقليدية والدينية والماضوية واعادة انتاجه محليا, واسلمته, ثم تقديمه للناس والمجتمع. التطبيق العملي لهذه الآلية, وليس مساءلتها فكريا وسجاليا, وخلال عقود "ما بعد عصر النهضة", يقول بأن تثبيت ارضية القيم والتلاقح الحضاري على اساس الشرعنة الدينية, وليس الاستجابة لجوهر اشكالات الاستنهاض, يسعر المعركة في اطار نصي وليس عقلاني. بمعنى ان قبول قيمة ما او رفضها انتج سجالات دينية-دينية, نصية في مجملها, وليس عقلية-عقلية كما كان الاتجاه العريض لرواد فكر النهضة. وبمعنى اكثر وضوحا، فإن آلية الشرعنة التي تبدو نظريا عقلانية ومصلحية في تنظيرها, كما في كتابات محمد رشيد رضا مثلا, تفقد كثيرا من دقتها وعمقها عن التطبيق العملي, ومكونها السلفي (الذي يتحفظ على وجوده العريس) الذي قد يبدو في النص النظري مقبولاً ومتوازيا مع مكونات اخرى, سرعان ما يطغى على كل شيء آخر ويتصدر التطبيق. من هنا فإن التطبيق العملي لأفكار رضا, وعبر مدرسة الاخوان المسلمين, انتج انزياحاً كبيرا على حساب العقلانية ولصالح السلفية. ولأن ميدان افكار وسجالات اسلاميو ما بعد رشيد رضا محددة على بآلية الشرعنة فإن النص الاكثر تطرفا كان دوما هو الذي يسجل نقاطا اكثر ويجر التيار العريض وراءه. ومن هنا, مرة اخرى, يمكننا ان نفهم بروز الاحزاب والتيارات السلفية التي تنافس الاخوان وتزايد عليهم على الارضية الدينية النصية ذاتها, بما يؤثر ليس فيهم وحسب بل وفي التيارات المعتدلة برمتها التي تصير متهمة بكونها غير متوائمة تماما مع النص، وتحاصر به.
 
 
* أكاديمي وجامعي فلسطيني.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز