المقاومة بالضعف

  • الإثنين 2012-09-17 - الساعة 08:41

 

بقلم: زياد خداش
 
بالضغط على زناد العقل ولو مرّة واحدة، في عمر طريقنا، بالانتباه مرة واحدة فقط كل عشر سنوات إلى أن الـمقاومة ليست هي (الطخ) فقط، بالتوقف عن استدعاء صلاح الدين؛ لأنه مشغول بموته منذ مئات السنين، بعدم الغناء الـمرعب على طبول دمنا وهو يراق، بالكف عن تحويل أشلاء أطفالنا وصيحات أمهاتنا إلى نشيد ومنهاج وعلـم، واعتبارها مرشداً للنصر والهوية أو مؤشراً على الإيمان أو سلّـماً لرضى الله، باستخدام جانب مغيّب آخر هو (العلـم) من عقلنا الـمليء بالانتقام والبطولة والانفعال، بالحزن حين يموت أطفالنا، لا بالرقص وتبادل التهاني والزغاريد، ببناء الإنسان الفلسطيني لا على (خيبر خيبر يا يهود) بل على الحرية والعدالة لشعبنا، بإعادة إنتاج فكرة الانتصار بحيث تصبح استبصاراً وحكمةً وإنساناً.
 
بالرد على مجازر الاحتلال، بالصمود والوحدة، لا بالآيات وانتزاع دروس التاريخ من سياقها، بإنهاء ظاهرة ما يشبه الفزعات العشائرية في نضالنا الوطني، بتقبّل أن طريقة قص شعر أي شخص آخر في العالـم من حقها أن تختلف عن طريقتي، بإرهاق الاحتلال والعالـم في الحديث عن السلام، بتسميمه بضعفنا وكوننا شعباً أعزل متعطشاً للحرية لا للدم، بإرباكه بثقافتنا وحبنا للشعر والـمسرح وإعجابنا بساندرا بولك، بالفرح بوجود أكاديمية للدراما في فلسطين (مثلاً) لأول مرة، باعتبار هذه الأكاديمية إلى جانب عديد من الـمؤسسات التنويرية كالقطان وأكاديمية الفنون والـمحطة وغيرها، ردوداً حضارية على الأصوليات وعلى الاحتلال، لا بالدعوة إلى انتفاضة مسلحة ثالثة ينتظرها الاحتلال بفارغ صبره ليذيقنا من ويلاته ومن موته وإهاناته ما فاضت عنه ذاكراتنا.
 
بالصمود على الثوابت، بوضوحها، والـموت بعلـمية وذكاء من أجلها في سبيل الحياة الكريمة التي نحلـم بها، وليس في سبيل الـموت نفسه، بعدم تدميرها وتشويشها بالغيبيات والأساطير، باحترام ثقافات العالـم، والانفتاح على جديدها، بالنظر إلى فلسطين الـمقبلة على أنها مشروع تحرري إنساني يساهم في حضارة العالـم وفي تقدم البشرية، لا بكونها إلهية الوجود، ومركزاً للكون، وشعاعاً لليقين النهائي، بتقبل فكرة التنوّع في الـمشاعر والقوميات والآراء والاتجاهات واحترامها، بتعليم تلاميذ مدارسنا أهمية قيم الحوار والنقاش والربط والتحليل، حتى لا تنطلي عليهم خدع الجاهز والـمكتوب والـمؤكد والـمنتظر، بهدم الأسوار الـمحيطة بمدارسنا، حتى يزور الأفق أذهان تلاميذنا، فيتذوقوا معناه الكوكبي، ويعيدوا النظر في مفاهيم الـموت والوطن والحياة والعالـم، بدل أن يظلوا أسرى الوهم الـمريح للـمعتصم القادم، بالإيمان أن ثمة يهوداً أصدقاءً لدمنا وحلفاءً لحلـمنا، تتزايد أعدادهم كلـما كنا أكثر وعياً ووحدةً واتفاقاً على النهج وأشد تحديداً لأهدافنا الوطنية، بالتخلي عن فكرة السمات النمطية الـمفصولة عن سياقاتها لشخصية اليهودي، والفهم أن الاحتلال، أيضاً، عدو لليهود.
 
بضعفنا، بكوننا وحيدين، مظلومين، محاصرين، بعزلائيتنا، بنصاعة بياض أهدافنا، بالحفاظ على طاقة الحياة فينا، بالسفر عبر مركب رامبو السكران، بالانفعال حد البكاء ونحن نشاهد مسرحية في القصبة، بالسهر حتى الرابعة فجراً ساحبين الشمس من قميص نومها، قبل موعدها الـمحدد، لتلتقي مع القمر، ونشهد الـمستحيل، بالبعد عن بلاغة الشعار ورنينه، بالتوتر الوجودي مع عشب (ويتمان)، بالضحك على بخلاء الجاحظ، والاغتراب مع اغتراب التوحيدي، بقراءة رواية صينية قديمة، نعثر عليها صدفة أثناء بحثنا عن حياة جان دارك، نكون على موعد مع الحرية.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز