فيلم تافه وتطرف جماعي مرعب

  • الإثنين 2012-09-17 - الساعة 08:37

 

 
فيلم تافه وتطرف جماعي مرعب
 
بقلم: خالد الحروب
 
 
 
أين هي امة "ولا تزر وازرة وزر اخرى"، ومن اين جاءت كل هذه الغرائزية والتطرف والديماغوجية في الرد على الفيلم التافه "براءة المسلمين" والتي لن تثمر شيئا في الدفاع عن اي حق، بل تحوله الى خسارة، ولا تعمل سوى على تدمير مجتمعاتنا والانحطاط بها نحو البدائية والتخلف. ما هي علاقة ومسؤولية اللبنانيين مُلاك مطاعم كنتاكي وماكدونالد في طرابس عن ذلك الفيلم وما هو ذنبهم حتى تثور عليهم "الجماهير" وتدمر ممتلكاتهم؟ وما هي مسؤولية الكولومبيين افراد القوة الدولية المرابطة في صحراء سيناء منذ عقود عن نفس الفيلم حتى يتعرضوا لهجوم جماعي واعتداءات من قبل سكان الصحراء؟ وما علاقة سفارات المانيا وايطاليا في الخرطوم بالفيلم ذاته حتى تستهدفها نفس تلك "الجماهير" الغاضبة؟ وما هو ذنب اصحاب السيارات الواقفة على قارعة الشوارع المؤدية للسفارة الاميركية في تونس حتى يهجم عليها الناس تحطيما وتكسيرا؟ من هو المسؤول عن دم الذين قتلوا وجرحوا في المظاهرات والغارات الهمجية على السفارات وعلى كل ما هو غربي؟ هذا قبل ان نصل للسؤال عن ذنب ومسؤولية السفير الاميركي ومرافقيه الذين قتلوا في بنغازي وهم لم يسمعوا عن الفيلم ولا علاقة لهم به، وكانوا قد وقفوا مع الشعب الليبي وساندوه ضد الطاغية الذي تحكم في البلاد واهلها اربعة عقود واكثر. 
 
لا يكمن الجانب الاخطر في ما نراه هذه الايام في الفيلم السخيف ذاته والاساءات التي تضمنها. فالفيلم وكما تعرض بعض المقتطفات منه على شبكة الانترنت يتصف بسخافة بالغة لا يستحق معها ان يُضم الى صنف الايذاءات الثقافية المتبادلة بين المجموعات الاثنية والدينية المختلفة. ورداءة الفيلم من ناحية المضمون والدراما والفن اضطرت دار السينما الوحيدة التي عرضته خلال الصيف الى سحبه بعد عرضه مرة او مرتين. نحن هنا لسنا امام اطروحة ثقافية مركبة تقدم الإساءة بشكل ذكي ومعقد وتستدعي الرد وتحفز العقل والذهن على التفكير. نحن امام شتيمة ساقطة الرد عليها لا يكمن سوى في الاهمال واستلهام ما تؤشر عليه ثقافة "واذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما"، بكل ما يعكسه هذا الرد من ثقة بالنفس وترفع عن الجهالات.
 
الجانب الاهم والاكثر رعبا في ما نراه الان في شوارع المدن العربية والاسلامية هو اكتساح جائحة التطرف مجتمعاتنا وثقافتنا وسلوكنا والانقراض المتسارع لكل القيم النبيلة والسلوك الحضاري. انه عمليا انحطاط عريض في العقلية الجمعية لتيارات عريضة هي نتاج ثقافة التعصب الديني التي اشتغلت على البنية التحتية للناس والافراد خلال اكثر من نصف قرن فأنتجت ما نراه. السمة الغالبة لما نراه الآن هو غياب العقلانية والتفكير والثقة بالنفس مقابل سيادة الغرائزية والغباء وانعدام الثقة بالنفس، وقلب الاولويات. لنبدأ بغياب العقلانية وانعدام الثقة في النفس وموضعة الامور في نصابها. اذا كان النص القرآني يقول بوضوح "وما اكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين" فإن معنى ذلك ان غالبية البشر ليسوا مؤمنين فضلا عن ان يكونوا مسلمين، وبالتالي فإن نظرتهم للدين، لكل الاديان، ولكل الانبياء لن تنطلق من اية قدسية او احترام. وعليه لا يمكن ان نفترض فيهم او ان نفرض عليهم ذلك الاحترام بالقوة. الوسيلة الوحيدة الفعالة كانت ولا تزال الحوار والاقناع والجدل بالتي هي احسن، وهي شمائل الثقة بالنفس. اما ان تثور غرائز مليونية لمجرد شتيمة تافهة فإن ذلك يدلل على هشاشة في النفس وعدم ثقة حتى في القيم التي يتم الدفاع عنها، وكأنها ركيكة وضعيفة وسوف تسقط من مجرد شتيمة لأرعن هنا او ناقد هناك. سوف يقول قائل هنا ان الغرب منافق ويسمح بشتيمة المسلمين ولا يسمح بشتيمة اليهود او اسرائيل، وهذا صحيح ولكنه ليس موضوع الحديث هنا، وليس ثمة اي دفاع عن الغرب وسياساته في هذه السطور ولكنها تركز علينا نحن، على الذات، وما يحصل في داخلها من كوارث تأكل الاخضر واليابس في مجتمعاتنا.
 
التطرف والغرائزية التي نراها اليوم فاقدة لأي احساس بالاولويات. كيف، مثلا، تخرج كل هذه العشرات من الالوف للتظاهر ويتلاعب بها مخرج سافل لفيلم رديء، ولا تخرج مئات من هؤلاء لنصرة اخوانهم الذين يموتون في سورية بالمئات كل يوم؟ وكيف لا يخرج عشرهم لنصرة القدس التي تتهود كل يوم، ولا لغزة التي تخنق تحت الحصار؟ الغرائزية الجماعية والانجرار نحو ثقافة القطيع الهائجة تنحي العقل جانبا وتسلم القيادة للغباء وتسير وراءه بثبات! الفيلم المذكور كان يمكن ان يمر وان لا يسمع به احد وينتهي الى سلال المهملات الخاصة بالافلام الردئية، وبالتالي تُحبط الاهداف التي انتج من اجلها وهي تحقيق اكبر قدر ممكن من الإساءة والتعريض بالاسلام والمسلمين. بيد ان "عبقرية" الرد الغرائزي انقذت الفيلم من ذلك المصير المحتوم ومنحته شريان الحياة الى الابد، ودفعت مئات الملايين الى ان يروه او يحاولوا كل جهدهم لمشاهدة اي جزء منه. تُرى كيف انتصرت الغرائزية بردودها الطفلية للرسول الذي تريد ان تنتصر له عندما دفعت تلك الملايين كي ترى تلك الشتيمة؟ والمشكلة هنا هي ان درس الغباء في الرد يتكرر كل سنة ومن دون ان تتم الاستفادة منه. تثوير الغرائزية واطلاقها الى ابعد مدى بدأ مع فتوى الخميني ضد سلمان رشدي مؤلف كتاب "آيات شيطانية" في الثمانينيات من القرن الماضي. الخميني الذي كان مهجوسا بإمامة المسلمين في كل الارض والنطق باسمهم اطلق غول الغرائزية كي يقول انه المدافع عن الاسلام، ونقل كاتبا وكتابا من الدرجة الرابعة الى مصاف الكتاب الاكثر شهرة، والكتب الاكثر مبيعا في العالم. الكتاب الذي كان ربما سيقرأه عدة مئات من الناس قرأه مئات الملايين. ذات الدرس يتكرر تباعا ولا تزال "الحرب العالمية الغرائزية" التي اطلقناها على رسام الكاريكاتير الدنماركي قبل عدة سنوات طازجة في اذهاننا. رسام واحد وبعدة رسومات عنصرية وتافهة استطاع ان يحرك ملايين المسلمين ويستفزهم ويتسبب في مقتل الكثيرين وتدمير ممتلكات لا تعد ولا تحصى في مدن العالم الاسلامي. تلك الغرائزية حولت الرسام المغمور الى بطل كوني، وانتشرت رسوماته العنصرية في طول وعرض العالم. 
 
تطول الامثلة والنماذج وكلها محزنة ومثيرة الغثيان لكنها كلها تؤشر على شيء مقلق وخطير يضرب في بنية مجتمعاتنا وهو التطرف المتسارع. مجتمعاتنا تسير في منحنى متصاعد من التطرف الديني تسرع فيه نتائج انتخابات ما بعد الربيع العربي. عقلاء هذه الاوطان وقادة الرأي فيها يجب ان يضعوا "التطرف" نصب اعينهم كأهم عدو يحيق بهذه المجتمعات ومستقبلها  اخطر من كل الاعداء الخارجيين. الجماعات التي تنطلق في الشوراع تدمر وتدك ما تلاقيه في وجهها مستعدة لأن تدمر اي شيء، وربما تقتل اي احد. البنية الفكرية المتعصبة لهذه الجماعات قائمة على اقصاء الآخر وعدم الاعتراف به واستسهال التخلص منه، وهذا كله وسط مجتمعات متنوعة دينيا واثنيا وسلوكيا. الكارثة في التطرف والغرائزية انهما يحطمان الذات خلال السير نحو الآخر لتحطيمه، وهو بالطبع يبقى سليما معافى لأن الحطام الناتج عن تدمير الذات لا يترك اساسا اي مجال للسير نحو اي اتجاه.
 
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز