البنات والتوجيهي

  • الجمعة 2022-08-05 - الساعة 10:39
بقلم: سما حسن

لم يتوقف أجدادنا عن القول إن البنات جالبات للرزق للتهوين على الأب حين تضع زوجته بنتاً تلو الأخرى، ونحن في مجتمع يحب إنجاب الذكور ويفرح ويتباهى بذلك، لكن الأجداد كانوا يريدون أن يخففوا من وطء المصيبة، فهم يرونها مصيبة وتكون نصف مصيبة لو كانت جميلة. اليوم تذكرت ما ذهب إليه أجدادنا حين تفاءلوا بمقدم البنت، خاصة البنت التي تلد أمها بعدها ذكراً، فهذه وجه الخير على العائلة، واليوم كما قلت تذكرت هذه المعتقدات او التبريرات حين كتب أحدهم عبر موقع فيس بوك أن البنات الناجحات في التوجيهي قد جلبن الرزق لأهاليهن وعائلاتهن.

السبب ان نسبة البنات المتفوقات والحاصلات على التوجيهي هذا العام بمعدل مرتفع هي نسبة كبيرة مقارنة بالذكور، ولم تفتأ أُمي رحمها الله تذكر ان البنات شاطرات، فهن لديهن قدرة على الحفظ والتفرغ للدراسة لطول بقائهن في البيوت على العكس من الأولاد، وقد حصدت البنات معدلات عالية، ورغم ان معظمهن يعشن ظروفاً معيشية صعبة للغاية، وان أسهمت او أسهبت وسائل الاعلام في تصوير اوضاعهن من بيوت متداعية او تواضع عمل الأب او حتى عجزه عن العمل.
تلقت الكثير من العائلات في غزة وعوداً بتعليم مجاني للبنات الناجحات المناضلات، فيما تبرعت بعض الجهات بترميم بيوت بعض العائلات التي تعيش فيها فتيات متفوقات استطعن الحصول على معدلات عالية رغم ظروفهن المعيشية الصعبة، وحصلت عائلة او اكثر على تبرع فوري بترميم بيتها وأخرى على بيت جديد لأن البيت لا يصلح من الأساس للعيش، وهكذا كانت البنات فاتحات خير على أسرهن، وجلابات للسعد والرزق، إضافة لمعدلاتهن العالية المفرحة التي تشرح الصدور وترفع الرؤوس.
قديماً لم يكن هناك ذلك الحرص على تعليم البنات، وأذكر ان الكثير من الأُسر الفلسطينية كانت تفضل تعليم الولد على البنت، بل إن كثيرات من الأمهات ظللن تحت وطأة الأمية حتى مماتهن، والسبب أن الأسرة كانت تخصص دخلها ومواردها البسيطة والمتواضعة لتعليم أحد الأبناء، خاصة إذا كان متفوقاً أو حصل على معدل مرتفع في التوجيهي وسمحت له الظروف بالسفر خارج غزة، وأذكر أن الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر أصدر إبان حكمه قراراً يتيح لأي طالب من غزة بالدراسة في جامعات مصر، وخصوصاً كليات الطب مثلاً بأي معدل او بمعدل غير مرتفع قياساً لما يحدث اليوم، وذلك تكريماً لأهل غزة، وأذكر ان احد أقاربي قد خرج إلى مصر وقتها ليتلقى تعليمه في كلية الطب وكانت عائلته تعمل ليل نهار في جمع الغلال من حقول الآخرين الأثرياء ومنهم أخواته البنات، ثم يجمعون ما يدّخرونه من مال ويرسلونه للابن الذي عاد طبيباً بعد سنوات، لكنه لم يتنكر لعائلته واحتضن والديه العجوزين وأخواته اللواتي تقدم بهن العمر ولم يتزوجن بسبب فقر العائلة، وعدم تلقيهن تعليماً وتحوُّل بشرتهن لسمرة جافة بسبب عملهن ليل نهار في الحقول.
وأذكر ان عائلات كثيرة لم تكن تسمح لبناتها بالالتحاق بمعهد الطيرة في رام الله وكان تابعاً لوكالة الغوث "الأونروا" لأن قوانين الالتحاق وقتها كانت تسمح لابن واحد في العائلة بالالتحاق به، وكان يُترك هذا المقعد للابن الذكر، وتبقى البنت بعد التوجيهي في البيت دون دراسة عليا وقد تتزوج او تمارس مهنة الخياطة، ولم يكن وقتها يُسمح للبنت بالخروج لدراسة تخصص علمي مثل الطب والهندسة خارج غزة إلا نادراً.
إن كانت البنات مهضومات الحقوق حتى زمن بعيد، فهن اليوم جلبن الفأل الحسن والرزق لذويهن، وليس معنى ذلك ان نقلل من قيمتهن أو حتى نردد ما ردده الأجداد، لكن الحقيقة ان الوضع المعيشي السيئ في غزة قد ساهم في وصول البيوت لهذا المستوى، وقد أسهم الإعلام في توجيه أنظار أهل الخير والمؤسسات والداعمين لبيوت منسية، وليس لأن فيها بنتاً بل لأن فيها إنساناً متفوقاً رغم الظروف الصعبة التي يعيشها، ويستحق ان يُكمل تعليمه، والأهم فهو يستحق حياة لائقة تمكنه من إكمال مسيرته والأخذ بيده نحو المزيد من التفوق والنجاح.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز