سيدة المهام الصعبة وداعاً

  • الثلاثاء 2022-07-05 - الساعة 08:58
بقلم: مهند عبد الحميد

تَسمَعُ كثيراً باهتمام وتركيز، وتتحدث قليلاً باقتضاب، إنها وداد قمري «سعاد» الرفيقة والصديقة التي ترجلت يوم 30 حزيران الماضي. العطاءُ بصمت عادةٌ تخص فئة المحاربين والمحاربات القدامى. هؤلاء تُسجل مآثرهم وأعمالهم تحت بند «الجنود المجهولين».

في كل الانتفاضات والمعارك والمواجهات، والفعل النضالي ترك هؤلاء بصماتهم ممهورة بالدم وتركوا ألواناً غير منظورة من التضحيات التي تحتاج الى تظهير. هؤلاء صنعوا الإنجازات الصغيرة بصمت وهدوء وثقة في واقعنا المعقد.

خلال سنوات الصداقة الطويلة وما تخللها من أحاديث ونقاشات كنا نتعرف على بعض ما عندها من معارف وتجارب وخبرات مدهشة. كان السؤال المكرر الذي طرحناه عليها. لماذا لا تكتبين عن تجربتك الغنية للأجيال الجديدة التي لا تعرف الا النزر القليل أو ما يصدر من أعمال قليلة الفائدة، مع وجود استثناءات؟ كان ردها سلبياً، بالقول، إنها لا تحب الأضواء ولا الشهرة. إنه التواضع وإنكار الذات الذي اشتهرت به وداد. 

في اللقاء الأخير قبل تسعة شهور أمضينا مها زوجتي وأنا يومين حميمين بصحبتها في عمان، وبالمناسبة هي صديقة الأبناء ريم ومجد -كل أسرتنا تتسابق في حبها واحترامها-.  تحدثنا كثيراً وكأننا في الوداع الاخير، كان إحساساً متبادلاً، وافقت وداد أخيراً على إجراء المقابلة الحوارية مع مجلة الدراسات الفلسطينية، التي عرضتها عليها مرات ومرات سابقة. قالت: أنا مستعدة للبوح بالتجربة، لكنني سأحتفظ بالأسرار، اختلط فرحنا بحزننا واستشعرنا الخطر في الوقت نفسه. ماذا جرى، لِتُغير وداد موقفها، اجتهدنا بوضع سببين.  الأول، ما حدث لها مع شبان عمال جاؤوا لإصلاح منزلها المتواضع الجميل. قالت بعد أن رأى الشبان صورة الحكيم ولوحات غسان كنفاني معلقة على الجدران، سألوها مَن تكون؟ فَعَرّفَتهُم بأنها وداد قمري، وبمجرد ما سمعوا بالاسم غمرتهم السعادة وأمطروها بوابل من الأسئلة، ولم يمض طويل وقت حتى عادوا اليها حاملين معهم درعاً مكتوباً عليه إهداء للمناضلة وداد قمري، وقاموا بإجراءات تكريم بسيطة وعفوية وصادقة، كم كان موقف الشبان صادقاً ومؤثراً، موقف أشعرها أكثر من أي وقت مضى بأن الأجيال الجديدة تستحق ان تعرف عن التجربة، تستحق تقديم الحلو والمر، الإنجاز والفشل، الأخطاء والتضحيات، لم تكن وداد فخورة بشبان الزمن الصعب كما كانت فخورة بشبان الماضي الجميل. السبب الثاني، إحساسها اللا شعوري بأن حياتها في خطر بسب تدهور إضافي في صحتها تسبب في دخولها غيبوبة عدة مرات، وفي بعض المرات كانت تُنقَذْ بمحض الصدفة.

لم يمض أسبوعان على سفرنا حتى سمعنا خبر إصابتها بجلطة دماغية أقعدتها عن الحركة والنطق، استمرت مقاومتها المعززة بإرادة ثورية تاريخية، وهي المشهورة بتغلبها على كل أنواع القهر والقمع، دون جدوى، لكن المرض تفوق على الجسد  الذي تسلل اليه الموت حتى النهاية. مات جسد وداد وبقيت إرادتها الصلبة عنواناً لتجربة حية لا تموت.

تجربة وداد السياسية بدأت منذ التحاقها بحركة القوميين العرب، وتحديداً انخراطها في « شباب الثأر» الذي بدأ يستعد للكفاح المسلح. الشجاعة والتماسك الوطني والانساني والإخلاص في شخصية وداد، مواصفات جعلتها جديرة بمهمات صعبة، كمشاركتها في تأسيس خلايا تضم فدائيين وفدائيات وشبكات من الأصدقاء والصديقات، وفي بناء - قاعدة اجتماعية- للمقاومة بعد احتلال 67. سعاد في رواية «برقوق نيسان» التي لم يُكمِلها الروائي غسان كنفاني بسبب استشهاده، استوحاها من تجربة وشخصية وداد رفيقته وصديقته المقربة. يقول غسان، «دخلت سعاد الى البيت- في أريحا- وانتزعت الوردة الحمراء من شعرها وهي تقول كلمة السر «البرقوق ورد الفقراء» يا أبا القاسم، وشرعت بالحديث عن قاسم الشهيد الذي كان ضمن المجموعة الفدائية التي اشتبكت مع المحتلين الإسرائيليين قرب البحر الميت واستشهد ستة من أفرادها السبعة.

وداد- سعاد التي انكشف أمرها في مدينة القدس، انتقلت إلى نابلس وقد تحول المنزل الذي أقامت فيه الى بؤرة ثورية، لكنه اقتُحم في غيابها وحولته قوات الاحتلال إلى مصيدة للمناضلين والمناضلات، كانت سعاد- وداد هي المستهدفة. كما ورد في برقوق نيسان « قَرَعَ الباب وبيده باقة من الازهار متوقعاً وجه سعاد بملامحه القاسية ولكن الجميلة ففوجئ بقبضة قوية».  وطرق الباب وبيده صحن كنافة لسعاد لكنه صدم بالجنود»، قال أحد الجنود، صيد ثمين اليوم، هذه الملعونة سعاد كانت تعيش تحت بصرنا ونحن لا نعرف. بعد ربع ساعة من غياب وليد الغلام الذي حمل الكنافة. بعدئذ أيقنت سعاد - وداد ان البيت محتل، فمضت متنكرة باتجاه النهر». وأُفلتت من قبضة الجنود.

واصلت وداد أدوارها الدراماتيكية، فبينما كان الحكيم محتجزاً في سجن المزة الدمشقي بقرار سوري، نفذت الجبهة عملية إطلاق سراحه، وكانت وداد احد اهم أبطال العملية التي جمعت بين الدهاء والشجاعة والايقاع السريع. وكان من شأن نجاح العملية التي دبرها د. وديع حداد، إحداث نقلة كبيرة في عمل الجبهة الشعبية التي استعادت زعيمها في ذلك الزمن الثوري.

لم تتوقف وداد عن العطاء المميز، وفي هذه المرة، انتقلت الى مجال التنظيم، بعد أن أطلقت الجبهة الشعبية مشروعها لبناء فروع الحزب الاشتراكي العربي. كان المكان الاصعب والأشد خطورة في المشروع هو المملكة السعودية، وَمَنْ غير وداد يملك القدرة على التنظيم والمغامرة والشجاعة في آن؟ بداية حالفها مستوى من النجاح الذي سرعان ما انتكس عندما ألقي القبض عليها في مطار جدة وهي قادمة من بيروت وفي حقيبتها وثائق ومجلات ثورية محظورة في السعودية، ومكثت في السجن أربع سنوات إلى أن أفرج عنها بتدخلات على أعلى المستويات. 

الحديث عن وداد الفدائية والسياسية والمُنَظِمَة ربما كان متداولاً في العديد من الأوساط. ولكن الأهم هو الأشياء غير المتداولة. وداد الإنسانة المزودة بقيم العدالة والتحرر الاجتماعي، كانت ملاذاً للرفيقات والصديقات اللواتي تعرضن للظلم الذكوري من داخل الجبهة وخارجها، ولم تتردد لحظة في احتضانهن والدفاع عنهن. وكانت ملاذاً آمناً لقصص الحب التي تتعرض للقمع. موقفها الأخلاقي والإنساني والعقلاني حررها من التعصب الفئوي المعلن والمخفي، وجعلها مناوئة للفساد والفاسدين العابرين للتنظيمات. والأهم جعلها ديمقراطية ملتزمة بالتعدد السياسي والديني والثقافي وبالحق في الاختلاف والنقد. ولا أنسى محبتها الصادقة للأطفال الذين كانوا يبادلونها الحب والصداقة.

سيرة وداد طويلة ومتنوعة وعامرة بالدرر وبالمفاجآت السعيدة والقيم النبيلة وهذا هو العزاء في فقدها وانسحابها من مسرح الحياة، ولا تنقص سيرتها المتاعب والظلم وسوء التقدير، وداد قمري وداعاً.

 

 

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز