وقال ناجي العلي أكتب عن حصار المخيمات وأنا سأرسم ولكن

  • الأحد 2022-06-19 - الساعة 14:23
بقلم: حافظ البرغوثي

في شهر مايو ايار سنة 1985 اندلع قتال حول مخيم برج البراجنة في بيروت حيث شنت حركة أمل وحزب جنبلاط والجيش السوري هجمات للسيطرة على المخيم وصولا الى مخيمي صبرا وشاتيلا واستمر الحصار والقتال والتدمير والتجويع حتى اكل المحاصرون الحشائش والفئران  بهدف منع انتعاش  قوات فتح في المخيمات والقضاء على حلفائها من قوات المرابطين الناصريين ، وكانت تغطية الصحيفة إخباريا للحصار والقتال قميئة لوجود من يؤيدون حركة امل والكتائب وجنبلاط  في تحرير صفحات الاخبار وندمت في حينه لأنني رفضت تسلم منصب مدير تحرير الاخبار بدلا من محرر لبناني حيث قلت لرئيس التحرير" انا لا أحل محل أحد فكلنا هنا في الغربة لنعنتاش ولو كان المنصب شاغرا لقبلت". 

وكنت عدت الى الضفة في تلك الأثناء لتجديد تصريحي حيث كان الاحتلال يفرض تجديد التصاريح سنويا والتقيت بالشاعر الراحل والمبدع عبد اللطيف عقل واعطاني في حينه قصيدة حزينة عن حصار المخيم وفيها يذكر اسم حركة امل بين هلالين لتأكيد  انها من تحاصر المخيم واعطيت القصيدة للمحرر الثقافي احمد مطر وعند نشرها قام بإزالة الهلالين لتبدو القصيدة وكأنها لا تشير الى حركة أمل الشيعية فكظمت غيظي لأني أعرف أنه شعوبي طائفي ايراني الهوى وإن بدا غير ذلك وهو ما لا يعرفه الكثيرون.

وذات ظهيرة حارة جاءني الزميل ناجي العلي وقد امتقع وجهه وقال لازم بكرة يا برغوثي تكتب عن حصار وتدمير المخيمات وانا سأرسم ايضا. فقلت له انا سأكتب وانشر وأنت سترسم ولن ينشر رسمك يا ناجي فقال بتعجب لماذا !فقلت إن اتفاقي مع الجريدة هو أن مقالتي لا تراقب من أحد بل من يدي الى المطبعة أما انت فقد تآمروا عليك وقالوا لرئيس التحرير ان رسومك قوية وان حافظ ينشرها وهذا خطر على الجريدة فسحبوا مسؤولية نشر رسوماتك مني اليهم ، فتحداني أنه سيرسم وسينشر فقلت له يا أخي ناجي لقد أوغلوا صدرك وصفقوا لك عندما انتقدت  منظمة التحرير فأنا  معك في انتقاد القيادات أما منظمة التحرير فهي بيتنا وأظن ان احمد مطر  وغيره من الباطنيين هم من يوغلون صدرك ويؤلبونك على المنظمة ، ثم  أشرت الى جسر معدني  للسيارات قريب من مكتبي وقلت انا هنا في هذه الغرفة جالس فيها وإن رأيت فيها خللا أدعو لإصلاحه لا الى هدمها لأنها ستنهدم فوق رأسي أما انت فتنظر اليها عن بعد كما ننظر الى ذلك الجسر وتنتقده ولا تريد  اصلاحه بل هدمه لأنك بعيد عنه فلا تضار إن هدم،وهذا حالنا مع منظمة التحرير فهي كياننا ان انهدمت ستنهدم فوق رؤوسنا. فقال إنك تبالغ يا برغوثي فقلت يا ناجي إن احمد مطر كتب قصيدة واحدة فقط  ويلوكها يوميا ويعيد صياغتها بأسلوب آخر وتظنه يهجو الحكام بينما هو يهجو الشعوب العربية والقومية والحكام معا وأسأل الصحفية المصرية كريمة التي مكتبها بجوار مكتب احمد مطر فقد قالت لي ان احمد يدخل مكتبه صباحا ويقلب الجريدة الى الصفحة الاخيرة قبل ان يجلس  ويطلع على رسمك ثم الى مقالي ويستشيط غضبا إن كان مقالي او رسمك عن عبد الناصراو بنفس قومي عروبي  فهو كاره للقومية العربية وأي مناسبة قومية  بل قالت لي  انها دخلت مكتبه ذات يوم  وعنده رسام عراقي "توفي مؤخرا في لندن " ولا داعي لذكر اسمه كان يحاول يظن نفسه بقامة ناجي  واذا به يقول عنك "هذا الشخشوخ يظن نفسه رساما وضحك ومطر  معا". صمت ناجي وعاد ليؤكد بأنه سيرسم عن المخيمات ويجب ان اكتب ومضى.

بعد خروج ناجي أمسكت القلم وكتبت عن حصار برج البراجنة  ووجدتني مع انفعالاتي أحول النثر الى شعر في المقال وأذكر انني بدأته بالقول الشمس توشك ان تمد ظلالها فوق الخريطة من محيط للخليج وانتقدت حركة امل ومن معها في تدمير وتجويع المخيم   وختمته بالقول  يا سادة الطرق السريعة للجحيم يا بعض شرذمة  الخطيئة والتقية والبلاء  لا تقل لي كربلاء وكربلاء ، هذا  المخيم كربلاء.

بالطبع في اليوم التالي لم ينشر كاريكاتير ناجي فقد حجبوه لأنه ضد القوات التي تحاصر المخيمات ولم يبد ناجي أي احتجاج  على عدم النشر لكن مقالتي نشرت ،وعم الهم والغم في وجوه الباطنيين في الصحيفة ورايتهم يتهامسون وقبل المساء بقليل سمعت صوت رئيس التحرير يصرخ في القاعة وهو ينادي علي فذهبت اليه وكان في ركن تحرير الاخبار وحوله بعض  الباطنيين فقال بدك تدمرنا بمقالك هاي مش جريدة فلسطين. إستفسرت منه عن السبب فقال بصوت مرتفع الآن تلقيت اتصالا من مجهول يقول انه من حزب الله العراقي يهدد بنسف الجريدة بسبب مقالتك ، وواصل الصراخ فقلت له بصوت أعلى انت قلت لي وانا في عمان وناجي معك انكم صحيفة قومية ناصرية وما كنت سأقبل العمل هنا دون ذلك والآن اكتشف انها محشوة بالباطنيين  ،  خلي جريدتك لهم  وانا تاركهاوخرجت مهرولا سلم الدرج لا ألوي على شيء وما إن وصلت سيارتي في ساحة الجريدة لحقني شاعران شعبيان كويتيان بدويان اصيلان هما نايف الحربي وحمود البغيلي وصارا  يشيدان بموقفي قائلين "والله انت كفو يالفلسطيني  قلت ما يجب ان يقال". وتركت الجريدة . وعلمت لاحقا ان كل ما حدث كان مدبرا فرئيس التحرير لا يستقبل مكالمات لأن سكرتيرته المصرية المهذبة لا تحول له المكالمات من مجهولين لهذا لا يستطع اي متصل الحديث معه وعندما انتقل الى ركن الاخبار رتب بعضهم مع شخص ما خارج  الجريدة لحظة وجوده في ركن الاخبار لكي يتصل بالهاتف هناك فناوله احد المحررين المدبرين المكالمة ليسمع التهديد. ومبعث هلع الصقر من حزب الله العراقي ان هذا الحزب حاول اغتيال الامير جابر الاحمد لكنه نجا من التفجير الآثم .

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز