شيرين المقدسية راهبة القضية والحقيقة

  • الخميس 2022-05-26 - الساعة 14:47
بقلم: حافظ البرغوثي

 يا مدرك الثارات أدرك عبادك بأي خسف للظالمين.. 
 كانت ذات يوم هناك في أريحا، حيث الصيف اللاهب في مكان ضيق تجلس على كرسي بلاستيكي وحولها زملاء تفانوا في  العمل لإطلاق اذاعة صوت فلسطين من قاع الأرض. ماذا تفعلون هنا في هذا الحر. قلت لها وللزميل زعل أبو رقطي الذي كان يجلس مع الزملاء رواد الاعلام الرسمي، قال: كما ترى، علينا واجب العمل في أشد الظروف قسوة ونحتمل. كانت راهبة فلسطين شيرين ابو عاقلة في بداياتها الإعلامية فتاة نحيفة تبدو أصغر من عمرها، ومن هناك من قاع الأرض صعدت الاعلامية شيرين في مدرسة الإذاعة ثم التلفزيون، وانتقلت إلى الجزيرة وأبدعت أيما ابداع. 
كانت لا تخوض في السياسة الضيقة ولا تهتم إلا بالحقائق، فثمة خط فاصل بين ما كانت تبثه من أخبار من الحدث مباشرة، وبين الخط السياسي للقناة، لذلك عندما حاول البعض الاعتداء على مكتب الجزيرة في رام الله في إحدى المرات كتبت منددا بذلك؛ لأن الزملاء العاملين يغطون الأحداث ولا يتقولون أو يحرفون الكلم عن موضعه كما يفعل المطبخ القطري.
ظلت راهبة فلسطين وفية لمهنتها وقضيتها حتى بعد اغتيالها. كانت بطبيعتها خجولة جدا تخشى أن يخدش مسمعها نكتة ما فتضع اصابعها في أذنيها. ولهذا بقيت راهبة مكرسة حياتها لمهنتها. قلت لها ذات يوم وكنا في جمع إعلامي في باريس متسائلا عن رهبنتها، فقالت: لا أحد  جديرا يتقدم. فقلت: إنك باسقة الحسن وخجولة، يخشى أي خاطب الإقتراب منها لظنه انك سترفضين فصمتت. ثم ذهبت وعادت بعد قليل وبيدها مجسم لبرج ايفيل اشترته من أحد الباعة، سألتها كم ثمنه؟، فقالت: عشرة يورو. فتوجهت إلى الباعة، وفاصلتهم عليه فاشتريت واحدا بنصف الثمن، فاستغربت، فقلت لها: إنني أعرض نصف ما يطلبونه، ففي النهاية يوافقون، فقالت: إنها تخجل من المساومة. 
ظلت متحوصلة في خجلها، لكنها كانت مقدامة في عملها، لا تخشى أن تغطي الأحداث مباشرة رغم الأخطار، فمن قبلها شاهدنا العشرات من الزملاء يسقطون برصاص الاحتلال، والزميل الشهيد المصور نزيه دروزة في نابلس، الذي كنت على اتصال به عشية اغتياله، كان ضحية واضحة لوحشية الاحتلال، حيث قتل بدم بارد عن قرب، وأغلقت محكمة الاحتلال القضية بحجة أن الشهود لم يحضروا، بينما كان الاحتلال يمنعهم من الحضور.
 وفي قضية الزميلة شيرين حاول الاحتلال تكرار إفتراء أطلقه عند استشهاد الطفل محمد الدرة، وادعى أنه أصيب برصاص من الجهة الفلسطينية وليس من الاحتلال، بينما فيديو الحدث يدحض ذلك. لكن رواية الاحتلال وشكوكه انهارت في السابق وانهارت ادعاءاته  في قضية الزميلة شيرين. 
وما يثير الاستغراب أن الإدارة الأميركية التي كانت تهرع للتحقيق اذا ما أصيب أو قتل مستوطن أميركي زنيم له سوابق اجرامية في نيويورك قبل استيطانه عندنا، لم تفعل شيئا في حالة شيرين وغيرها من الفلسطينيين حملة الجنسية الأميركية، بل قال مسؤولون أميركيون وبحنان على اسرائيل إنهم يتابعون التحقيق مع شركائهم الإسرائيليين، فالجانبان كأنهما شريكان في الجريمة. 
في حياتها أعطت القضية زخما اخباريا لا يعلى عليه، ومن مماتها وروحها ضخت الروح والحب والحياة في الجسد الفلسطيني المريض. وكانت راهبة الحقيقة والقضية وكشفت عن كمية الحقد والكراهية في صدور كبار قادة الإحتلال، أطلقوا لرصاصهم العنان في كل درب أو زقاق في القدس، وفي كل المخيمات، وما مات المخيم ولن يموت ما دام هناك لاجيء.  فلك يا بنت القدس، قدس الأقداس وزينة الآخرة، والمجد لك ولكل من أحبك. فيا مدرك الثارات أدرك عبادك بأي خسف أو عقاب للظالمين. هذا سبيل الرب أن يطغى فوق شر الظالمين.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز