لهذا اعتذر عن زيارة الكويت فلي في عنقها دين يجب تسويته

  • الثلاثاء 2022-05-24 - الساعة 18:19
بقلم: حافظ البرغوثي
دعاني زميل إلى مؤتمر في الكويت فأعتذرت شارحا له بالتفصيل السبب المركب، وقلت : إنني غادرت الكويت مبعدا في نوفمبر سنة 1986 دون سبب للإبعاد مع مجموعة من الصحفيين في الصحف، وكان سبقنا الزميل الشهيد ناجي العلي إلى لندن حيث جرى اغتياله في العام التالي. كان توجه الحكومة في تلك الفترة هو تخفيض مستوى الصحافة بعد حل مجلس الأمة وليس لأسباب تخص كل صحفي. وقبل ذلك بأربعة أعوام كانت السلطات الأمنية في الكويت طلبت إبعادي لسبب غريب وهو أنهم لا يستطيعون حمايتي ولا يحتملون دمي وطلبوا مني المغادرة وحددوا يوم السفر، وفي المطار كان عناصر من أمن الدولة في انتظاري لإصطحابي إلى الطائرة، وكان الإبعاد على حسابي، أي دفع التذكرة ولم يلغوا الإقامة فأستغربت الأمر . وبعد شهور غامرت وعدت، وبعد أيام اكتشفوا عودتي، فعادوا لإبعادي مجددا، فأستسلمت للأمر وعملت في صحيفة الدستور الاردنية بعد أن كنت بدأت اتصالات معها منذ البدء، وطلب مني إحداث تغيير على شعار الجريدة لتظهر البتراء وقبة الصخرة متعانقتين، وقام صديق وفنان مصري مبدع يدعى طلعت يوسف بإعادة تصميمه وأرسلته لهم، وحظيت بموقع مشرف عام على التحرير وراتب جيد ورعاية أبوية من الاعلامي المتميز المرحوم محمود الشريف. فالسبب في الإبعاد هو دفاعي عن الكويت، فقد قام تنظيم أبو نضال بتفحيرات صوتية تهديدية في الكويت لإبتزاز المال من الدولة وكتبت مقالا في حينه في جريدة الوطن بعنوان مماليك الأنظمة يشوهون الثورة الفلسطينية والعنوان دون تفصيل يكفي للدلالة على مضمونه، ويبدو أن جماعة ابغو نضال غضبوا لمهاجمتهم، وكان مقرهم في بغداد، فأرسلوا من يطلق رصاصة على مدخل جريدة الوطن ليلا على زميل عند الواحدة ليلا ظناً منهم أنه العبد الفقير لله، فقد كنت مشرفا على الصفحة الأولى إضافة لعملي كسكرتير عام للتحرير ، وأتابع أحداث بيروت وحصارها ، فقلت للمخرج وهو فلسطيني سوري لا تنتظر وسأقوم بإخراج الأولى ونزل المخرج وكان الوقت صيفا في سنة 1982 والطوز يغطي المنطقة في الشويخ، وإذ به يعود لاهثا وقد إنعقد لسانه وأغبرت نظارتيه من الطوز، وقال إنه عند المدخل سمع صوت رصاصة قريبا منه، فسارعت إلى المكان من الطابق العلوي ووجدت آثار رصاصة على واجهة المبنى من جهة شارع الشويخ الرئيس، فأتصلت برئيس مجلس الادارة المرحوم محمد مساعد الصالح، فأتصل بالشرطة للتحقيق وأريناهم آثار الرصاص، وفي صبيحة اليوم التالي تلقيت مكالمة في مكتبي من مجهول، قال فيها أنت فلان! فقلت نعم، فقال ما حدث أمس هو قرصة أذن فقط. فقد اختلط الأمر عليهم وظنوا أن زميلي المخرج هو أنا. ثم جاء رجال من المباحث بعد فترة وسألوني عن عداء لي مع أحد فقلت لا . وعلمت لاحقا أنهم قبضوا على مجموعة التفجيرات من جماعة أبو نضال ووجدوا صورتي التي تنشر مع مقالاتي بحوزتهم. ثم بعد ذلك استدعتني مباحث أمن الدولة وقال لي الضابط نحن نعتز بك وبقلمك ولكننا لا نستطيع تحمل دمك يجب ان تغادر البلاد، فقلت: اعتزاز وخراب بيت!. استغربت الأمر لكن بعدها بأيام جاءت سكرتيرة رئيس التحرير المرحوم جاسم المطوع اغلى مكتبي "وهي السيدة عبلة العلمي ما زالت في الكويت حتى الآن "، ودعتني مسرعة إلى مكتبه، وقالت أدخل أنه يتلقى مكالمة فلا تتحدث وجلست صامتا وقد أحمر وجهه، وكان يسجل المكالمة، وبعد ذلك قال إنها مكالمة من أبو نضال يهدد باغتيال ياسر عرفات وحنا مقبل وأنت. وجرى لاحقا أمنيا مقارنة الصوت في المكالمة مع صوت سابق لأبي نضال فكان مطابقا. فقلت ساخرا إن عرفات محاصر في بيروت، وكذلك زميلنا حنا مقبل وكان يراسلنا في بيروت وأتلقى منه يوميا رسالة صوتية عما يدور، وكنت أدعو زوجته أم ثائر وهي مقيمة في الكويت لكي تتحدث معه قبل انقطاع الإتصالات مع بيروت، ورغم ذلك فإن جماعة أبو نضال تهدد باغتيال محاصرين!. ولكن بعد مغادرة الأخ حنا الكويت حيث قدم من بيروت، ولحقه ناجي إغتيل مقبل في قبرص، فقال رئيس التحرير لا توسط أحداً يبدو أن جماعة أبو نضال جادة في الإغتيالات، وكنت وسطت المرحوم فهد الأحمد وغيره وتحدث أمامي ذات يوم مع ولي العهد الشيخ سعد، لكن يبدو أنهم لا يحتملون دمي فعلا. فتوجهت إلى لندن أولاً وزرت مراسل الوطن وهو المصري الوطني مجدي نصيف، وكان له مكتب في صحيفة الصنداي تايمز، وكان يراسل عدة صحف، فقال يمكنك أن تطلب اللجوء مثلي بسبب التهديد والإبعاد عن الكويت، فقلت: لن أمس الكويت بسوء مهما كان، فقال: إفعل مثلي أنا كنت ملاحقا من النظام أيام السادات فطلبت اللجوء ومنحوني اللجوء وحراسة وإمتيازات مادية، وسأحصل على الجنسية قريبا، ويمكنك الحصول عليها، فقلت: لي جنسية ولا أتخلى عنها، وسبق أن كان سهلا علي الحصول على ايغ جنسية أوروبية أيام وجودي في ايطاليا في السبعينيات، ولم أفكر في الأمر قط، فكنت أراها غربة مؤبدة، وفجأة قرع بالقرب من مكتبه جرس جهاز بث الأخبار يطلق صوتا عن خبر عاجل، فنهضت لأقرأ الخبر العاجل، وإذ به يبث أول خبر عن مجزرة صبرا وشاتيلا. فأستصغرت مصيبتي أمام المجزرة وحمام الدم، وتوجهت إلى الأردن وقلت لا مكان لنا إلا على ضفتي النهر. كانت تجربة رائعة العمل في الدستور، حيث حظيت بإهتمام الأستاذ محمود الشريف، وكنت على معرفة سابقة بإبنه سيف في الكويت، وتعرفت على إبنه الشاب اسامة الذي كان يدير صحيفة انجليزية، ولكن فرحتي لم تدم طويلا حيث بدأ الزميل ناجي العلي رحمه الله يتصل بي ويطالبني بالعودة إلى القبس، حيث انتقل اليها من الوطن، وقال إن رئيس التحرير الجديد في القبس محمد جاسم الصقر يريدني بقوة، فأعتذرت فقد حظيت برعاية جيدة في الدستور والتحقت بنظام الضمان الخ.. وعرض علي الشريف امكانية شراء شقة في مشروع قيد الانشاء في أبو نصير، وبناء بيت في الضفة على أرضي بقرض من وزارة شؤون الأرض المحتلة، ومساهمة بقرض في شراء أسهم في الدستور . وظل الزميل الراحل يتصل وبإلحاح، وقال إن سبب تركه الوطن هو أنهم تخلوا عني عند ابعادي ، فأسقط في يدي فقلت إنني مبعد فهل يستطيع الصقر إزالة الإبعاد من أمن الدولة. ويبدو أنه استطاع وكأن الاستاذ محمود الشريف علم بالأمر فأستدعاني إلى مكتبه، وقال لقد اثبتت في فترة وجيزة إمكانيات مهنية كبيرة وسأجعل منك أصغر رئيس تحرير في الصحافة الأردنية في نهاية العام أي 1984، ويكفي أنك رسمت ابتسامة بمقالاتك الأسبوعية الساخرة، وأدخلت فن الإخراج إلى الجريدة وعنونة الاخبار والتحقيقات، وهذا لم يكن من قبل عندنا، وعرضت عليك شراء شقة ميسرة وقرض غير مسترد، ففهمت أنه علم بإتصالات ناجي من المقسم. ثم قال عبارته التي ما زالت ترن في أذني "مهما إغتربت ستعود إلى هنا". ويبدو أنه كان على حق فبعد أقل من سنتين من عودتي للقبس تم إبعادي رغم أنني كنت تركت العمل في القبس لخلافات تتعلق بسياستها، بل اكتفيت بمقالتي اليومية، واستثمرت ما تيسر لي من مال في افتتاح مكتب إعلان ومطبوعات، وكنت على وشك ابرام صفقة اعلان ضخمة مع مركز سلطان التي أقامت أول مول في الكويت عندما تم ابلاغي مع صحفيين بقرار الإبعاد. فالإبعاد الأول قصم ظهري ماديا والثاني أكثر. عندما كنت في الطائرة من الكويت إلى عمان جلس إلى جانبي رجل يحتضن حقيبة ويرتدي بدلة صيفية سفاري فظننته مدرسا أو مفتشا أو مهندسا، وجرى الحديث بيننا فسألته عن سبب احتضانه للحقيبة، فقال إن فيها مبلع 60 ألف دينار لشراء قطعة أرض في جرش، وسبق أن اشترى قطعة قبلها بأربعين الفا، فقلت يبدو أنك مهندس أو مفتش، فرد لا أنا أعمل فراشا في وزارة التربية، وبعد الدوام أيضا. هنا حملقت في الجو خارج الطائرة وسألت نفسي أظن أن راتبي كان عدة اضعاف راتبه، لكنه كان يعمل لمستقبله فقط، أما أنا فكنت أحمل السلم بالعرض، وأنتقد أنظمة وتنظيمات ولا أبالي بما سيحدث لي وأطفالي في كتاباتي. ربما كنت مخطئا، ولكن الحمد لله لم أكن فلكل دوره. قال صديقي وما دخل هذا بإعتذارك عن حضور المؤتمر، فقلت سبق لوزير الاعلام الأسبق الشيخ أحمد نجل الشهيد فهد الأحمد أن التقيته في دبي فقلت له إنني ظلمت من قبل الكويت مرتين، ووقفت معكم إبان غزو الكويت، وكنت مستقبلا للوفد الشعبي الكويتي الذي زار الأردن في حينه، وضم خيرة الوطنيين الكويتيين فمن ذاق الإحتلال لا يمكن أن يؤيد أي احتلال، لكن الكويت خذلتني وعندما كان الناس يذهبون للكويت بدون فيزا بعد احتلالها كان يقال لي لم لا تأت فكنت اجيب لن ادخلها وهي محتلة ولا اريد رؤية بلد عربي محتل من بلد عربي، رغم أنها ابعدتني. وبعدها زارنا وزير الاعلام الكويتي للمشاركة في معرض الكتاب في رام الله وكرر دعوتي للكويت فلم أشأ تكرار ما قلته للشيخ أحمد أن لي ديناً في عنق الكويت يجب تسويته معنويا على الأقل.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز