الحضارة بلا تحضر

  • السبت 2022-03-12 - الساعة 14:30
بقلم: حافظ البرغوثي

اقعدنا لفح البرد لبضعة أيام لأجدني مضطراً لمتابعة الفضائيات والتلفيقات المصاحبة للأزمة الأوكرانية. فليس من عادتي استقاء الأنباء المؤكدة عبر التلفزيون بل من مصادر مكتوبة وموثقة لأن الكلام التلفزيوني هواء وهراء وعواء وخواء، ومن يصبر على أضاليل ما يبث والأكاذيب الملاحقة يصاب بالهبل والخبل لأن المتحدث السياسي أو الناطق الاعلامي لكل دولة من فصيلة بغل بن نغل بن نعل يفترض أن المشاهد جاهل ولم يصل لمرحلة الإنسان العاقل.
بداية تابعت جلسة مجلس الأمن حول اتهامات روسية لأوكرانيا بإجراء بحوث بيولوجية، لكن المتحدثين شتوا عن الموضوع وتجاهلوا أن مساعدة وزير الخارجية الامريكية فيكتوريا نولاند اعترفت بذلك، وكانت مديرة الاستخبارات الوطنية الأمريكية،  قالت إن أوكرانيا تشغل أكثر من 10 مختبرات بيولوجية مرتبطة بمشروعات دفاعية وصحية، مشيرة إلى أن الحكومة الأمريكية قدمت لكييف مساعدات في مجال السلامة البيولوجية..
وتعقيبًا، أكد مقدم برامج قناة "فوكس نيوز" تاكر كارلسون صحة التصريحات الروسية حول المختبرات البيولوجية في أوكرانيا، مستشهدا بتصريحات الأمريكي  نولاند، وقال : "أكدت نولاند تحت القسم في جلسة استماع علنية، أن المعلومات الروسية مضللة، ووصفوها لعدة أيام بأنها كاذبة ونظرية مؤامرة ومجنونة. لكنها في الواقع صحيحة كليا وصادقة". 
 تاريخيا، الحرب الجرثومية إستخدمها الأوروبيون ضد سكان الأمريكيتين الأصليين لإبادة السكان بنشر الأمراض والطاعون، كما أنهم أول من استخدم الغازات السامة في الحرب العالمية  الأولى، واستخدم الجيش الأمريكي القنابل النووية في الحرب الثانية، واستخدموا كل الأسلحة المحرمة كيماويا في حرب فيتنام.
ولست هنا في مجال الدفاع عن موسكو مثلا لأن الكبائر العسكرية دوليا ارتكبتها دول كبرى وروسيا ليست بريئة، بل لأن الرد السياسي الأمريكي جاء باتهام لروسيا بأنها تستعد لإستخدام أسلحة كيماوية في أوكرانيا، وهذا كلام لا يستسيغه عقل، فالحرب الحالية إن قيست بغيرها فهي الأقل إصابة للبشر، لأن الروس يستهدفون القوة العسكرية وليس السكان، فبعد هذه الأيام الطويلة من الحرب لم يتأكد سوى مقتل أقل من ألف مدني، واعتقد أن الرقم الحقيقي أكبر بكثير،  لكن الاعلام الغربي يتحدث عن مجازر وقصف مستشفيات ومدارس ولا نرى جثثا ولا أشلاء ولا دما. فحتى قادة الناتو انضموا للأمريكيين في الكذب والنفاق مثلما فعلوا إبان غزو العراق واختلقوا الأكاذيب لتبرير الحصار الشديد أولا ثم الغزو لاحقا، وكنت أرى بعض القادة الأوروبيين في فرساي وهم يتحدثون والدم العربي على أسنانهم فهم ورثة الاستعمار والقتلة عبر القرون الأخيرة، وهم الذين اقتتلوا في بلدانهم قبلها في حروب بشعة لم تحدث في التاريخ، فلا توجد دولة أو مملكة أو إمارة أوروبية إلا وحاربت جارتها بطريقة بربرية من حروب السبعين إلى حرب المئة سنة إلى الحروب الأهلية في اسبانيا وألمانيا وايطاليا وانكلترا، إلى الحروب الاسكندنافية والنمساوية، إلى الحربين العالميتين، وما بعدهما من تدخلات عسكرية غربية في كل بقاع العالم. فأوروبا توحدت مرة ضد المشرق العربي في الحروب الصليبة، ثم ثانية في الحروب الاستعمارية المعاصرة، بل أنها لم تتوحد في مواجهة نابليون، واحتاج الأمر إلى القيصر الروسي ليلحق بنابليون الهزيمة، حتى فرنسا ولم تتحد ضد هتلر واحتاج الأمر إلى ستالين ليهزمه في برلين. 
والآن تتحد أوروبا مع أمريكا ضد القيصر وكل الشرق، فهذه بداية حملة غربية ضد الشرق بكل مكوناته، فالميدان هو أوكرانيا حيث تدور المعارك لكنها حرب بالنيابة عن الكبار. وما دام الأمر كذلك. فلماذا يخشى الأمريكيون وقوع الأبحاث الأوكرانية الصحية والبيئية في أيدي الروس! وهل هي خطيرة ! وهل كانوا يجرون تجارب على جمرة خبيثة لتحويلها الى جمرة حميدة أم على خفاش زاجل ينقل علاجا للكورونا أم على فيروس مسالم يعزف موسيقى  هادئة أم على فيروس أوميكرون بحجم الأرنب حتى يتم اكتشافه بسرعه وصيده !.
 ما أضحكني من المتابعات أن قادة أوروبا حذروا من تداعيات المجاعة على افريقيا بسبب الحرب في أوكرانيا، وكأن المجاعة غير موجودة في افريقيا منذ أن بدأ الاستعمار المستمر في نهب ثرواتها وحول أهلها إلى عبيد ومهاجرين يغرقون في البحر، وتجندهم حاليا السفارات الغربية للقتال في أوكرانيا. آخر كلام فج من المتابعة ما قالته ليندا غرينفيلد مندوبة أميركا في جلسة مجلس الأمن عندما نفت المزاعم الروسية عن الأسلحة البيولوجية، وقالت إن موسكو لم ترى صورة طفل أوكراني وأمه قتيلين على صدر الصفحة الأولى من نيويورك تايمز، فقلت في نفسي يا للهول، وألم ترى ليندا صور مئات الأطفال الفلسطينيين على صفحات الصحيفة نفسها عندما نشرتها قبل فترة  عن مجازر الاحتلال!. 
فالمتحدثون السياسيون لا يلتقطون المشهد الانساني جيدا، ولا يشعرون بعذابات الأوكران، ولا بدم العسكريين المتقاتلين أنهم تجار سياسة فقط. وما زلت أذكر كلام مادلين اولبرايت وزيرة حارجية أميركا، وربما بنت عم زيلينسكي، وهي من تشيكيا أصلا عندما سئلت سنة 1996 عن  حصار العراق، وأن هناك نصف مليون طفل عراقي ماتوا بسبب الحصار، فقالت باختصار خنزيري وحشي حقير وعنصري، وكأنها تحيض من فمها "ذاي ديسيرف إت " أي يستحقون ذلك ". وكان المقبور أرييل شارون عندما سئل عن قتل الفلسطينيين وارتكاب مجازر بحقهم، رد بقوله بكل برود  "اللوم على الفلسطينيين  لأنهم أجبرونا على قتلهم ".

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز