التعافي.... في مواجهة المتحورات

  • الثلاثاء 2022-01-18 - الساعة 10:11
بقلم: غازي أبو نحل

من المهم أن يدعو الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس المجتمع الدولي إلى جعل شعار العام 2022 «تحقيق التعافي الشامل للجميع»، عشية حلول العام الجديد، إذ إن العالم بحاجة فعلاً إلى التعافي من آثار الجائحة والى تعافي الاقتصادات والتعافي من الريبة وعدم اليقين.

وليس أقل أهمية إشارته إلى ان الجائحة تفعل فعلها، فيما يتفاقم الفقر ويستفحل عدم المساواة والتوزيع غير المنصف للقاحات، وبسبب قصور الالتزامات المناخية عن المستوى المطلوب واستمرار النزاعات والانقسامات وانتشار المعلومات المضلّلة، فهل يمكن للبشرية أن تجتاز هذا الاختبار؟

أسارع إلى القول، إنه ممكن جداً في حال تم وضع خطة جريئة لتطعيم كل شخص في كل مكان وتحقيق التعافي للاقتصادات، بحيث تدعم البلدان الأغنى بلدان العالم النامي والفقير بالتمويل والاستثمار وتخفيف عبء الديون، وممكن جداً بالتركيز على المعطيات العلمية والحقائق.

دعوة الأمين العام استجاب لها صندوق النقد الدولي بشكل فوري، اذ أعلن انه سيمدد لمدة 18 شهراً اضافية الاستفادة من برنامج التمويل الطارئ لمساعدة الدول المتضررة بشدة جراء جائحة كوفيد_ 19، مع الإشارة إلى أن الصندوق كان باشر تقديم مثل هذه التسهيلات في شهر نيسان 2020، عندما ضربت الموجة الأولى من الإصابات والوفيات بفيروس كورونا العالم، وتم تمديد هذا البرنامج مرتين، في أيلول وآذار الماضيين.

استقبل العالم العام الجديد قبل أيام وهو في وضع غير مسبوق. فبعد عام من الإنكار والصدمة، وآخر من التعايش واقناع الذات بأنه «وباء ويزول»، ها هو عام جديد يطل ومعه أسئلة تكبر حول إمكان العودة إلى الإقفالات والتدابير والإجراءات الاستثنائية مع متحوّر اوميكرون!

سبق وخاضت البشرية كربة الفيروس وحلم اللقاح ونشوة الإتاحة. لكن ها هي تخوض مجدداً دورة جديدة من دورات الكربة والنشوة، حيث متحورات الفيروس تبذل قصارى جهدها لتحتفظ باليد العليا في تقرير مصير البشرية وتحديد التفاصيل اليومية لحياة كل منا. ونحن في المقابل نخوض اللعبة ولكن بأسلحة تتعلق بالجاهزية والتعايش والمرونة ومزيد من الوعي والاهتمام بصحتنا العقلية والنفسية.

سيكون عاماً غير مسبوق، لا بسبب الصدمة أو الإنكار أو الغضب، ولكن لأننا نعلم أنه عام الحفاظ على وضعية «على أهبة الاستعداد». هذه الوضعية تحتاج عناية فائقة بالصحة النفسية والعقلية بغض النظر عن إمكانات المواجهة والتكيف سواء الفردية أو الوطنية.

مجريات الأمور على مدار الأسابيع الأخيرة وما جرى من تمدّد وتوغل لمتحور أوميكرون سريع العدوى واسع الانتشار، مع استمرار متحورات سابقة، تخبرنا أن الأمر لم يعد فقط مرونة  وجاهزية. وما يقع على رؤوسنا من تصريحات صحية أممية حالياً تستلزم عناية استثنائية على كل المستويات الفردية منها والجماعية كما الشعوب والدول والأمم كافة. فما يصدر عن منظمة الصحة العالمية مثلاً من ترجيحات بأن تتمكن المتحورات المستجدة من مقاومة التدابير الاحترازية، وكذلك القول بأن حدوث العدوى ربما لا يعني بالضرورة وقوعها مجدداً وغيرها... يؤهل العام الجديد ليكون عام العناية الخاصة، على مستوى الفرد، والعامة، على مستوى المجموعة.

أعجبني منطق كاثرين أربثنوت أستاذة علم النفس في جامعة فرجينيا التي نصحت هواة اتخاذ قرارات جديدة في مطلع كل عام جديد، بأن يضعوا ثلاث نقاط رئيسية في الحسبان أثناء كتابة القوائم. الأولى، ما التغيرات التي طرأت على حياتي بسبب الوباء على مدار عامين مضيا وأود الاحتفاظ بها كمكتسبات طويلة المدى؟ والثانية ما الأشياء التي أتمنى استعادتها من عصر ما قبل الوباء؟ والثالثة في حال أردت إعادة البناء بشكل أفضل سواء على مستوى شخصي أو على مستوى الحي الذي أقطن فيه أو على مستوى العالم، ما هي القواعد التي أحلم بها؟

هذه النقاط لا تُجهض عادة عمل قوائم قرارات العام الجديد، لكنها تحافظ عليها بعد إضافة عنصرَي الواقعية والمنطق إليها. كما أنها تساعدنا على أن نكون أكثر دراية بأنفسنا وأعمق اهتماماً بالعوالم المحيطة بنا.

ما يحيط بنا من تغيرات كبرى ليس جميعها مفجعاً أو مقلقاً. فما اكتسبه سكان الكوكب من قدرات وملكات ومواهب للتعامل مع الأوضاع الصعبة الجديدة لا يقدَّر بمال. قدراتنا على التكيف ونجاحنا في إيجاد البدائل في وقت قياسي واستمرار الحياة رغم أنف الظروف تعني أن القادم أفضل وأحسن. لماذا؟ لأنه سيكون أكثر واقعية وقابلية للتنفيذ.

هكذا، وعلى رغم المتحور، فإن كل التوقعات تشير، الى انه وبعد الانهيار الاقتصادي في2020 وبدء التعافي من 2021، فالتوقعات للعام الجديد ما زالت تشير الى نمو وانتعاش ملحوظَين، مع خضات متفاوتة القوة والحجم والتأثير بسبب أزمة الامدادات والتضخم والمخاوف الصحية التي تضاف اليها كذلك مستلزمات الحفاظ على البيئة.

 من الصين إلى الولايات المتحدة ومن أوروبا إلى إفريقيا، أدى الوباء في وقت واحد تقريبًا إلى انهيار اقتصادات العالم في ربيع عام 2020. وبعد عامين وأكثر من 5,3 ملايين وفاة، صار السبيل للخروج من الأزمة أكثر تشتتًا.

استفادت الدول الغنية من امتياز الوصول إلى اللقاحات: أزالت الولايات المتحدة آثار أسوأ ركود شهدته منذ الكساد الكبير في الثلاثينات، وبدا أن منطقة اليورو ستحقق الشيء نفسه في نهاية العام. لكن الانتشار السريع للمتحورة أوميكرون وتدابير الإغلاق التي فرضتها تثير مخاوف من تبعات على العديد من القطاعات، بدءاً بالنقل الجوي والمطاعم والضيافة والسياحة.

يؤكد محللون من بنك «إتش اس بي سي» البريطاني أن «الانتصار في المعركة ضد الفيروس ما زال بعيد المنال»، معتبرين أن الاقتصاد لا يزال «بعيدًا عن العودة إلى مساره الطبيعي».

في الطرف الآخر من المشهد، تفتقر البلدان الفقيرة إلى اللقاحات. ففي أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى التي يتوقع صندوق النقد الدولي أن تسجل أبطأ انتعاش، حصل على اللقاح أقل من 4% من السكان في الكاميرون أو إثيوبيا أو أوغندا على سبيل المثال، وفقًا لجامعة جونز هوبكنز.

يتوقع صندوق النقد الدولي حتى عام 2024 أن تفشل معظم البلدان الناشئة والنامية في تلبية توقعات النمو التي حددتها قبل الوباء. خاصة وأن عددًا من البنوك المركزية (في البرازيل وروسيا وكوريا الجنوبية وغيرها) رفعت أسعار الفائدة لدرء التضخم المتسارع الذي من شأنه أن يعيق تعافيها.

حتى في الصين، قاطرة النمو العالمي، يتباطأ الانتعاش مع تراكم المخاطر، كما حذر صندوق النقد مؤخراً من الاستهلاك الأسري الذي يكافح لاستعادة مستويات ما قبل الوباء وأزمة قطاع العقارات مع الصعوبات التي واجهتها شركة إيفرغراند العملاقة المثقلة بالديون إلى ارتفاع سعر الفحم ونقص المكونات الذي يثقل كاهل الشركات.

كتب محللو غولدمان ساكس في توقعاتهم لعام 2022: «كانت المفاجأة الأكبر في عام 2021 هي ارتفاع التضخم». وكان الدافع وراء ذلك هو الفوضى التي عمت سلاسل التوزيع ونقص المنتجات الأساسية للتجارة الدولية مثل أشباه الموصلات. ويُعزى ذلك إلى الزيادة الكبيرة في الطلب أثناء الأزمة وبعدها، ولكن أيضًا بسبب النقص في صغار العاملين في قطاع التجارة العالمية من العمال الذين يفرغون البضائع في الموانئ وسائقي الشاحنات والعاملين في المتاجر الكبرى الذين لم يعودوا إلى مواقع عملهم بعد رفع الحجر الصحي. كما يقف وراء التضخم ارتفاع أسعار المواد الخام (الخشب والنحاس والصلب) والطاقة (البنزين والغاز والكهرباء).

وفيما اعتبر محافظو البنوك المركزية ارتفاع الأسعار مسألة مؤقتة، فهي أثارت القلق على أعلى المستويات واعترف بها البنك المركزي الأميركي أخيراً على أنها ليست عارضاً، معلناً أنه سيعمل على تسريع رفع أسعار الفائدة العام الجاري على الرغم من خطر تباطؤ النمو.

في الوقت الذي يتساءل فيه رويل بيتسما أستاذ الاقتصاد في جامعة أمستردام عن «معرفة ان كنا خرجنا بالفعل من الأزمة» في ظل الوقائع والمستجدات... فإن صندوق النقد الدولي لا يزال يتوقع نمواً عالمياً بنسبة 4.9 في المئة العام الجاري.

وفي انتظار الأيام والأشهر المقبلة، التي نأملها إيجابية، نقول «كل عام وأنتم بخير».

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز