إطـلاق سـراح امـرأة

  • الجمعة 2021-11-26 - الساعة 07:38
بقلم: سما حسن

هل من الممكن أن تسجن مدينة امرأة لنصف قرن من الزمان، هل من الممكن أن تبقى أسيرة حبها وأسيرة ظلمها في الوقت نفسه كل هذا العمر حتى يصدر قرار الأفراح أخيرا، وهل تستطيع أن تتدارك نفسها فتلتقط ما تبقى من عمر في مدينة أخرى، هذه أسئلة كثيرة طرحتها على نفسي بعد أن حدث تحول كبير في حياتي وأنا أقترب من عامي الخمسين.

فتحت عيني على الحياة وأنا ابنة الجنوب، جنوب قطاع غزة حيث ولدت ونشأت في مدينة خان يونس، وإن كنت أكتب مجازا أني من غزة، وغزة هنا تعني قطاع غزة وليس المدينة الكبيرة، أو عاصمة القطاع، وقد أمضيت كل عمري وأنا واقعة في حب وهوى هذه المدينة ذات التاريخ والأمجاد، حتى تنحى ذلك كله من الذاكرة والقلب والروح، لتحل مكانه فصول حياتي التي بدأت فعليا بزواجي في سن صغيرة، ومرت بمنعطفات أصبحت خلالها مسؤولة عن عائلة، وها هم الأولاد يكبرون ويتفرقون، ولكني في لمح البصر اتخذ قرارا أنني أريد أن أتحرر.
وقعت في أسر المدينة التي أحببت وتعذبت، مدينتي الجنوبية التي ولدت وفيها درجت في شوارعها وحاراتها وأزقتها، وعشت أيام طفولتي في أعرق وأقدم شوارعها وهو شارع جلال، وأعتقد أنه قد أطلق عليه هذا الاسم نسبة لبطل مصري استشهد على أرض غزة إبان الحروب الكثيرة التي مرت هناك، وفي فترة الإدارة المصرية للقطاع، وقد عشت في ذلك الشارع في بيت جدي لأمي ذكريات لم تعد تحمل لي سوى الوجع، لا أدري كيف يمكن أن تكون الذكريات موجعة وتنسى بهجتها، يوما بعد يوم فقدت طعم ثمار التين التي كنت التقطها من فوق أغصان شجرة التين العملاقة في باحة بيت جدي، وصرت لا أذكر سوى أن جدي وجدتي قد رحلا ولم يعد لي بيت صغير ألجأ إليه وأذوق الحب النقي والخالص والصادق، فقد منحاني كل ما يمكن أن يمنح رغم بساطة عيشهما، وصعوبة ظروفهما بعد تهجير أولادهما خارج الوطن.
الذكريات في بيت عائلتي ورحيل أبي وأمي، ثم الذكريات لثلاثين سنة في بيت تزوجت فيه، بيت دخلته وأنا ابنة العشرين واليوم أخرج منه وأنا على أعتاب الخمسين، أيام قليلة تفصلني عن عامي الخمسين حين قررت أن أخرج من سجن وضعت نفسي فيه، وهو الحب والتعود وعدم القدرة على العيش في البعد، فقررت أن أترك كل شيء خلفي وأبدأ صفحة جديدة بعيداً عن كل ما أحببت وأوجعني.
لم يعد مجديا بالنسبة لي، كامرأة تحيا وحيدة وتقوم بدور الأب والأم في آن واحد أن أظل أذرع الشوارع والطرقات، وأذهب إلى أسواق وأرى بعين الماضي خطوات أبي وأشعر بلمسة كف جدي، وأشم رائحة عرق أمي الذي يشبه أجمل رائحة في الكون حين كانت تعود من مدرستها حيث تعمل معلمة وأسير إلى جوارها أحمل دفاترها وأوراق الاختبارات التي تخص تلميذاتها، رائحة أمي بالزي المخصص لنساء مدينة خان يونس لا تنسى، وتعبق قلبي وكل خلية من جسمي حين أقطع شارع السكة كما يطلق عليه، لا أتمالك نفسي فتسيل دموعي، وهكذا وجدت أنني امرأة شقية برقة قلبها وبعمق ذكرياتها وكثرتها وتكدسها فقررت أن أبتعد.
هل سجنتني مدينتي لنصف قرن ولم أعد قادرة على الفرار حتى جاء الوقت الذي قررت هي أن تطلق سراحي، وأن أصبح بعيداً عنها، وأترك كل هذا وأرحل، أترك الشرفة والحديقة السفلية والشارع الطويل الذي تظلله الأشجار وأنتقل إلى مدينة أكثرها من الإسمنت وحيث تحيط بي العمارات من كل جانب، ويصعب أن ألمح غصنا أو أسمع طيراً يشدو في صبيحة يوم مشمس.
ها أنا اليوم أتحرر من ذكريات وماضٍ وألم ودفء طالما أوجعني لأنه لم يعد، اليوم قررت أن أعيش اليوم فقط، قررت أن أضع كل شيء خلف ظهري كما سيضعني الآخرون خلف ظهورهم حين يلفني الثرى بعد سنوات طالت أو قصرت، قررت ألا أعذب نفسي وأن أخرج من سجن مدينتي التي عشقت، لا أدري إن كنت سأفلح في أن أتحرر، أم سوف تبقى المدينة بداخلي أو أبقى أنا داخل أسوارها التي عشت فيها نصف قرن من عمري.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز