ما الذي تريده حركة حماس؟

  • الثلاثاء 2021-10-05 - الساعة 08:53
بقلم: مهند عبد الحميد

تباينت مواقف حركة حماس السياسية في الأعوام السابقة، وبدت كأنها تخرج عن طورها. فقد اتسم موقفها في فترة الإعلان عن الانتخابات الفلسطينية بالتوازن والمرونة وتغليب التوافق على الاختلاف، وما لبث أن تغير الموقف نحو التشدد وتغليب الخلاف على ما عداه بعد إرجاء الانتخابات، ثم جرى قلب الطاولة إبان وبعد العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، حين اعتبرت الحركة أن المقاومة وبرنامجها -المقصود هنا «حماس» -هي التي تمثل الشعب الفلسطيني وما عدا ذلك غير ذي صلة. بعد ذلك قدمت «حماس» عرضين أحدهما سياسي قدمه خالد مشعل رئيس المكتب السياسي السابق، والعرض الثاني شعبوي جاء بصيغة المؤتمر الإستراتيجي الاستشرافي – وعد الآخرة - فلسطين بعد التحرير برعاية يحيى السنوار رئيس حركة حماس في قطاع غزة. مواقف حركة حماس منسجمة مع تكتيكات سابقة من زاوية الوظيفة التكتيكية الاستخدامية، حدث ذلك عندما قدمت «حماس» وثيقة عام 2005 التي تقبل من خلالها دولة فلسطينية في الضفة والقطاع والقدس الشرقية، وقد ميزت موقفها بعدم الاعتراف بإسرائيل، لكنها استعاضت عنه بهدنة طويلة الأمد. الموقف نفسه تكرر في وثيقة 2017 التي تعترف بحدود دولة إسرائيل دون أن تعترف بها، وتعرف نفسها أنها حركة تحرر وطني بهوية وطنية بدلاً من الهوية الدينية التي لم تقطع معها، وتقول الوثيقة إنها مستقلة عن حركة الإخوان المسلمين تنظيمياً، مع أنها استمرت في تبني فكر الإخوان المسلمين. السؤال: ما هو الموقف الفعلي لحركة حماس والى أين سينتهي؟

إذا أراد المرء اختصار النقاش والتفكير في الموقف الحمساوي، عليه الإصغاء للخطاب التعبوي الذي يأتي أحياناً عبر الخطاب السياسي الإعلامي الداخلي ومعظم الوقت في الخطاب الديني، والذي يبني قاعدة التنظيم ويوحدها على المواقف الأصلية التقليدية للحركة. ويحول كل التغييرات الأخرى للاستهلاك الخارجي ولاعتبارات العلاقات العامة. وهذا يجعل طموح حركة حماس في وراثة منظمة التحرير والسلطة أو استبدالهما شائكاً، لا بسبب وضع حركة فتح وبقية فصائل المنظمة التي وصلت الى حالة من الضعف والتكلس لا تحسد عليها، وإنما لأسباب لها علاقة بفكر وسياسات وبنية وديمقراطية «حماس» التي تجعلانها غير مؤهلة طوال الوقت.

مؤتمر «وعد الآخرة» الإستراتيجي الاستشرافي وتوصياته العشرون ليس له وظيفة غير النفخ في بالون انتصار المقاومة في معركة سيف القدس، بعد أن تقلص الى حدود دنيا، جراء التعنت الإسرائيلي الذي أراد في هذه المعركة تغيير قواعد اللعبة للأسوأ. كان يمكن الإفادة من هذه المعركة التي أبلى فيها المقاتلون الشجعان بلاء حسناً، بطريقة أخرى. لكن المستوى الأيديولوجي لحركة حماس أراد ان يواصل ويعزز انتصار «سيف القدس» بانتصار متخيَّل بل حاسم وأخير لتفادي الانفضاض الشعبي. خلافاً لذلك فإن مؤتمر وعد الآخرة وتوصياته العشرين من شأنها أن تضيف الى رصيد المخاوف الإسرائيلية المزعومة حول الخطر الوجودي، ما يسمح بتعزيز الخطر الوجودي على الشعب الفلسطيني الماثل في قانون القومية ومنظومة القوانين الإسرائيلية الأُخرى التي تشطب كل الحقوق الوطنية الفلسطينية المشروعة، وسياسات الاحتلال التي تجعل الشعب الفلسطيني في موقع خطر وجودي حقيقي.

بعيداً عن هرطقات مؤتمر وعد الآخرة، يجدر التوقف عند رؤية للخلاص قدمها مشعل في لقاء نظمته مركز مسارات قبل أيام. فقد دعا الى: «إعادة تشكيل القيادة الفلسطينية، بحيث يكون لها صيغة وشكل جديدان، وروح ورؤية جديدة وبرنامج فيه تجدد وحيوية، وتوافق فلسطيني». ليس برنامج «فتح» ولا برنامج «حماس»، وإنما برنامج الحد المشترك الذي نستطيع الالتقاء عليه، في الوقت الذي يرى فيه مشعل أن الخلاف بين حركتي حماس وفتح هو خلاف برنامجي، ولا يكون الحل بأن يأخذ أحدنا الطرف الآخر إلى برنامجه. ويضيف مشعل، يصاحب تشكيل القيادة حالة من بناء مؤسسات منظمة التحرير وكل الهياكل الحزبية والنقابية والجامعية والبلدية بصورة ديمقراطية. ورأى أن الإطار القيادي المؤقت لمنظمة التحرير يعبّد الطريق لإعادة بناء الوحدة من جديد.

الالتباس في كلام مشعل كان واضحاً، فوثيقتا «حماس» الصادرتان في العام 2005، و2017 أحدثتا مستوى كبيراً من التوافق مع برنامج المنظمة، والذي يمكن اختصاره بإقامة دولة على حدود الرابع من حزيران 1967، أين الخلاف في البرنامج المشترك إذاً؟ يجيب مشعل في معرض حديثه «نريد كل فلسطين»، لكنه سرعان ما أحال ذلك الى برنامج «حماس» الخاص وليس للبرنامج المشترك. وهل الخلاف حول الاعتراف بدولة الاحتلال؟ قد يكون ذلك صحيحاً، لكن حركة حماس أوجدت مخرجاً لهذا الخلاف بالهدنة طويلة الأمد. بل إن مفاوضاتها غير المباشرة وربما المباشرة حول هدنة طويلة الأمد في قطاع غزة بمقايضة ضبط الأمن والاستقرار مقابل استدامة سلطتها على قطاع غزة، كان ذلك بمعزل عن حل الدولة الفلسطينية وحل قضية اللاجئين، وإنهاء الاستيطان وجدار الفصل العنصري، ووقف التطهير العرقي في القدس ومناطق ج -برنامج المنظمة وبرنامج «حماس» في وثيقتي 2005 و2017.

في الوثيقتين السابقتين أحدثت «حماس» التوافق بدون حوار، وهي الآن تتراجع بحسب مشعل وخطاب النصر ومؤتمر وعد الآخرة. وترغب في برنامج توافقي جديد، لا يضع حساباً للمواقف الدولية وقرارات الأمم المتحدة التي عرّفت الحقوق الفلسطينية المشروعة، وصدّرَت مئات القرارات بالاستناد لها. «حماس» تريد برنامجاً مشتركاً جديداً بدون ان تعرفه. لكنها تريد إعادة تشكيل قيادة جديدة وتربط كل التغيير المطلوب بها، معتبرةً الاطار القيادي المؤقت الذي يضم المنظمة والتنظيمات الأخرى هو البداية. وهنا لا يحدد مشعل السبيل الى تشكيل قيادة جديدة غير الإطار القيادي المؤقت، ويفهم من كلامه أن التغيير المنشود هو ذلك النوع الذي يحدث من فوق، بل إنه يربط بناء الهياكل النقابية والطلابية والبلدية وهياكل المنظمة بالتغيير من فوق وعبر الإطار المؤقت. أو القيادة التي ستتشكل قافزاً عن الحاجة إلى تغيير من تحت، من النقابات والاتحادات الشعبية والمهنية والمنظمات النسوية والشبابية التي أصبحت منفصلة عن أجسامها وقواعدها، والتغيير يبدأ أيضاً من حركات اجتماعية ومن التعليم ومنظومة القوانين السائدة. وكل هذه البنى ومعها الحريات العامة معطلة او ممنوعة في قطاع غزة في ظل سلطة حماس وحكمها الأمني وثقافة الهيمنة. في غياب المقومات الضرورية للتغيير فإن أقصى ما تنشده حركة حماس هو استبدال تنظيم حاكم بتنظيم حاكم  مضافاً إليه أيديولوجية تُقصي ما عداها.

كان أغرب ما طرحه مشعل، الانفتاح على محور المقاومة العربي، ومحور الاعتدال العربي، قافزاً عن اتفاقات التطبيع والتحالف مع دولة الاحتلال، وقافزاً عن استخدام محور المقاومة للقضية الفلسطينية وللمقاومة كورقة لتعزيز النفوذ الإقليمي.

[email protected]   

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز