«مات فينا كلّ عرقٍ»

  • الثلاثاء 2021-09-21 - الساعة 08:40
بقلم: نسيم الخوري

ما القيمة الإنسانية والقيم الإعلامية الباقية بعد، لطلاء وجه لبنان المترهّل بطبقاته المتعددة الألوان والكوارث المتراكمة؟ هذا لون من الأسئلة القهّارة بلا أجوبة تعرّي الواقع الجهنّمي والساحات الشعبية المُقيمة في الطوابير، أمام خواطر أصحاب المطاحن والأفران والمياه، ومحطات الوقود ومستودعات الغاز والصيدليات والمستشفيات. إبادة جماعية للمرضى في لبنان من قبل محتكري الأدوية.

لو شئت أن أصفَ نماذج العناوين القاسية في الصحف والشاشات والمواقع الإعلامية، في ما يُسمى لبنان، لاهتزّ بدن العالم من عمق هذا التوحّش السياسي والتجاري، وخصوصاً الإعلامي في عشق الانهيارات والجنازات والانفجارات. لقد استشرف الشاعر خليل حاوي الذي انتحر ببندقية صيده فوق الشرفة في الـ1982 أن يختصر هذه الحال بقوله: «مات فينا كلّ عرقٍ».

نحن لم نخرج لا ظرفيّاً ولا نهائياً من الحروب الطائفية، لا بالمعنى الداخلي ولا الدولي، وكلّ تلك التناقضات والكيديات في البرامج والعناوين والملابس والأشكال والثقافات والانتماءات واللهجات والتطلعات والكيديات الرخوة أو المشدودة، تمهر رخاوة هذا الوطن وتفتّته بين أصابع قيادييه.

لم ولن نلمس حضوراً ولو طفيفاً للدولة التي تدّعي الديمقراطية التي ما زالت مستوردة في علبتها ويتشاوفون بها على العالم في ما تضخّه وسائل الإعلام من مضامين سياسية واجتماعية، لا يمكن أن تجمع المواطنين بأمراضهم وهمومهم وفقرهم وأحلامهم ومستقبل أجيالهم وإباداتهم، حيث لا بقايا حياةٍ مع حكّام يعيشون في قصورهم، وكأنهم في مونتي كارلو أو إسبانيا، يدورون بأفلاكهم وأعراسهم ومقتنياتهم مع الـ4 آلاف تابع وحارس على استعداد لتفجير لبنان بالقنابل الذريّة إن مسّ أحدهم زعيماً أو حفيداً من أحفادهم بكلمة.

ماذا نكتب؟ وكيف نخرج من لبنان؟ وكيف نهدر الحبر الواقع بين أهل الجنّة وأهل النار؟

أكتب وسأكتب في الخليج ومنه يتطلّع إليه أولادنا وأحفادنا، معصورين على وطنٍ يحترمك إنساناً ما أن يلمس جواز سفرك.

الآن اللبنانيّون مذ كانوا، هم مسكونون بغرائز وتطلّعات غير موجودة في قواميس تطوّر الشعوب وتاريخ الحضارات، أم أنّ خللاً كبيرا جينياً سياسياً إعلاميّاً سطحياً قشورياً يتلذّذ بنسج الصور المشوّهة النادرة لما سموه لنا بالدولة. صور بدت فيها الحكومات والوزارات والإدارات والسلطات والسلاطين والباكوات والأفندية والزعماء، حقولاً مرضيّة بالإطراء والتبجيل بالقصائد والأكاذيب، وقصوراً للخطط والمخططات الجهنمية، وتحقيراً للعلم والفكر والتطور والنضج، وخصوصاً عند الخروج من بوابة الجمهورية الأولى بـ250 ألف قتيل ومئة ألف جريح ومعاق ومهجّر ومهاجر للدخول في باب الجمهورية الثانية أو الثالثة دون أيّ اعتبار أو عبرة للمتغيّرات الحاصلة أو حتّى لدوران الأرض حول الشمس خلال هذه المئة سنة من تاريخ إعلان الوطن؟

تكثر الأسئلة في هذا الميدان حاملة أجوبتها في صلبها. لكنّ إشكالية البحث تبقى في مدى فهم هذه الأسئلة وأسئلة المواطنين في تبادل مفترض بين صورة الناس وصورة السلطة وصورة الدولة، حيث تظهر الطائفة دولةً والدولة طائفة، كلّما تقدّمنا في الزمان لدولة هويتها ألسنتها وإعلامها.

إعلام الحروب - حروب الإعلام - سلام الإعلام وإعلام السلام مربع أو عربة تجرّ لبنان واللبنانيين وتختصرهم جميعاً، وتشحن خلفها المخاطر المتنوعة والفوضى والاحتكارات الوحشية في كلّ شيء، بما يضمن التوازن المذهبي، ويحفظ الحصص الإعلانية لا الإعلامية وحصص غالبية الإعلاميات والإعلاميين.

يبدو لي تاريخ لبنان أسطورة تحولات الطوائف في لبنان دولاً مقفلة. لكل طائفة كلّ عناصر الدويلة وفي رأسها عدّتها الإعلامية ولغتها المغايرة، ما يُظهر لبنان بل يجعله ساحة حروب أهلية باردة وجاهزة للسخونة، عند أيّ فتيل إذا نضجت أمامه الظروف.

ترسم هذه العدّة، بصيغة الجمع، صورة تقريبية لملف لبنان والإعلام في لبنان: إعلام رسمي فارغ مهمل غير واضح ومحور تجاذب منفّر، إعلام حروب وبقايا أحزاب وميليشيات ومقاتلون ومخرّبون يقيمون في مقاصفهم والعنوان: «أنا» المسؤول، بدلاً من «نحن» الدولة.

مَن يخاطب مَن؟ ووفق أي وسائل؟ وإلى مَن يتوجه وكيف وفي أي وقت ولهجة ولغة وهدف؟ ما هي الصيغ التي يُخاطب فيها انهيارات اللبنانيين في المنزل والمتجر والشارع والمدرسة والجامعة والسياسة والاجتماع ؟ وما قيمة حُجج المخاطِب المذهبي في الإقناع ؟ وهل إذا توهّم الإقناع فهناك مَن يخاطب بطريقة مغايرة لتعمية الناس وتضليلهم؟

وهنا أدفع الأسئلة في وطن علامات الاستفهام بحثاً عن الانتماء لوطنٍ أُحادي، أو متعدّد الأوطان تلمّساً للغة العذرية المشتركة في النص الدستوري، حيث «نهائيّة الوطن وعروبته وانتماؤه».

 

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز