طالبان: تحدٍّ لإيران أم فرصة جديدة لها؟

  • الجمعة 2021-09-03 - الساعة 08:50

هنالك من يربط بين الانسحاب الأميركي من أفغانستان وسيطرة طالبان عليها وبين سياسة الولايات المتحدة تجاه خصومها: إيران، الصين وروسيا.

جوهر فكرة هؤلاء أن الولايات المتحدة تترك أفغانستان لطالبان (طوعاً أو كرهاً) لأن مغادرتها في الحالتين فيه ما يخدم استراتيجيتها لمواجهة خصومها. إضافة للتخلص من عبء استنزاف مصادرها في بلد لا توجد للولايات المتحدة فيه مصالح حيوية، فإن سيطرة حركة طالبان، وهي حركة سنية متشددة على أفغانستان، من الممكن أن يساهم في زعزعة استقرار خصوم واشنطن.
وجود طالبان على رأس السلطة في أفغانستان بتاريخها المعادي للشيعة من الممكن أن يشجع على العنف الطائفي والحركات الانفصالية في ايران نفسها، حيث توجد نسبة لا تقل عن عشرة في المائة من الطائفة السنية فيها. كذلك يمكن استخدام طالبان من جماعات معادية لإيران لزعزعة استقرارها. وما ينطبق على ايران، ينطبق على روسيا والصين.
في زيارته للولايات المتحدة قال نفتالي بينيت، رئيس وزراء إسرائيل للرئيس بايدن، إنه ربما لا يمكن القضاء على التهديد الإيراني بضربة واحدة ولكن يمكن القضاء عليها "بألف ضربة"، وطالبان قد تكون جزءاً من هذه "الضربات" التي تحدث عنها بينيت.
لكن حتى يكون هذا الكلام صحيحاً فإن علينا أن نقبل بفرضيتين:
الأولى أن حركة طالبان لم تتغير وبأنها ما زالت تمتلك نفس العقلية القديمة التي كانت عليها عندما احتلت الولايات المتحدة أفغانستان العام ٢٠٠١.
هذا افتراض يتعارض مع كل التصريحات التي صدرت عن قادتها بعد سيطرتهم على كابول والتي اعلنوا من خلالها رغبتهم بعلاقات جيدة مع جيرانهم بما فيهم إيران وروسيا والصين، ورغبتهم أيضاً في تطوير بلادهم وهو ما يحتاج أيضا الى علاقات حسن جوار وتبادل تجاري مع جيرانهم.
الثانية أن باكستان على استعداد للمشاركة في التآمر على إيران والصين وروسيا، وهذا يتناقض مع مصالح باكستان. صحيح أن باكستان كانت تعتبر من الحلفاء القريبين للولايات المتحدة، لكن هذا الوضع تغير على مدى سنوات احتلال أميركا لأفغانستان.
الولايات المتحدة اتهمت دائماً باكستان بمساعدة طالبان وقطعت عنها المساعدات المالية العام ٢٠١٨ بسبب مساعدتها السرية لطالبان، لكنها لم تذهب بعيداً الى حد فرض عقوبات عليها حتى لا تدفع باكستان الى العداء الصريح للولايات المتحدة.
باكستان أيضا همها الأكبر صراعها مع الهند، وهي ترى في العلاقات الأميركية الهندية الوثيقة خطراً عليها، وهي بالتالي حريصة على تطوير علاقاتها بالصين، وهي كما إيران، جزء من خطة "الحزام والطريق" الصينية التي تهدف الى ربط دول آسيا وأوروبا بطرق برية مع الصين. هذا يعني بأن باكستان ليس لها مصلحة في توتير علاقاتها مع الصين او إيران.
طالبان إذاً قد لا تشكل تحدياً لإيران، وقد تكون فرصة لتوسيع نفوذها عبر تعاون مشترك معها.
إيران دولة براغماتية وقد نجحت مثلاً في خلق علاقات قوية مع "حماس" و"الجهاد الإسلامي" وكلا التنظيمين ينتميان للطائفة السنية. المشترك بين إيران وكلا الحركتين هو العداء للاحتلال الإسرائيلي واستعداد إيران لدعم التنظيمين طالما هما في خندق العداء لهذا الاحتلال.
بالقياس قد يكون عداء طالبان للولايات المتحدة عاملاً مشتركاً بينها وبين إيران. هنالك تقارير تفيد بأن الاتصالات بين إيران وحركة طالبان بدأت في العام ٢٠١٥ باجتماعات بينهما في إيران لم يعرف فحواها، وبعدها ظهرت تقارير تفيد بأن ايران دعمت حركة طالبان في حربها ضد الولايات المتحدة.
لا يوجد في هذه التقارير ما يعاكس المنطق، لأن إيران كانت ترى في وجود الولايات المتحدة على حدودها الشرقية (أفغانستان) والغربية (العراق) خطراً عليها، وبالتالي لها مصلحة حيوية في خروج الولايات المتحدة من البلدين.
أيضا اثناء انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان الشهر الماضي كانت هناك اجتماعات بين القادة الإيرانيين وطالبان، ولم تُظهر بعدها الجماعات المؤيدة لإيران في أفغانستان من الطاجيك والشيعة وغيرهم معارضة او مقاومة لسيطرة طالبان وهو ما يوحي بوجود اتفاق بين طهران وطالبان.
هنالك أيضاً علاقات ثقافية وتاريخية بين إيران وأفغانستان لا يمكن التقليل من قيمتها. اللغة الرسمية في أفغانستان هي اللغة الفارسية. وأثناء الاحتلال السوفيتي لأفغانستان تم تهجير أكثر من مليوني أفغاني الى الأراضي الإيرانية، وهذا العدد وصل الى ثلاثة ملايين مع الاحتلال الأميركي لأفغانستان.
هذا يُمكّن إيران من بناء علاقات جيدة مع طالبان ويعطيها أيضاً رافعة للتأثير على السياسات الأفغانية.
من المبكر القول إن كانت طالبان ستكون سكّيناً في خاصرة إيران أم حليفاً جدياً لها لأن هنالك مؤشرات في كلا الاتجاهين، لكن ما هو مؤكد ان الهزيمة الأميركية في أفغانستان تعطي إيران وحلفاءها قوة دفع للعمل على إنهاء الوجود الأميركي في العراق وسورية وربما من أماكن أخرى في الشرق الأوسط، وهذه المرة قد يكون ذلك بدعم روسي وصيني، وذلك ردًا على الاستراتيجية الأميركية الجديدة التي تضع استهداف الصين وروسيا في مقدمة سياساتها.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز