إعادة تعريف طالبان!

  • الثلاثاء 2021-08-31 - الساعة 09:30
بقلم: عبد الله السناوي

عند دخول قوات "طالبان" العاصمة الأفغانية كابول بدأت تتردد على نطاق واسع دعوات دولية لاعتراف مشروط بالحركة، التي كانت تدمغ بـ"الإرهاب" حتى أيام قليلة مضت!

لم يكن ذلك اكتشافاً فكرياً وسياسياً متأخراً ينفي التهمة عن الحركة بقدر ما كان تعبيراً عن فشل ذريع انتهت إليه الاستراتيجية الأميركية بعد عشرين سنة من احتلال أفغانستان باسم "مكافحة الإرهاب".

منذ ولاية باراك أوباما مال التفكير الاستراتيجى الأميركي إلى الانسحاب من أفغانستان والتخلص من صداع الشرق الأوسط بقدر ما هو ممكن لتركيز الاهتمام على الشرق الآسيوي حيث الصراع على المستقبل مع التنين الصيني.

التوجه نفسه تبنته إدارة دونالد ترامب، التي فتحت قنوات تفاوض للتفاهم مع حركة "طالبان" عن ترتيبات ما بعد الانسحاب الأميركي، دون أن تصل إلى اتفاقات أخيرة.

اتساقاً مع ذات التوجه أقدمت إدارة جو بايدن على الانسحاب، لكنه جرى بصورة عشوائية، وكانت النتائج مزرية.

عقب انهيار سلطة كابول أعاد الخطاب السياسى الأميركي تعريف حركة "طالبان"، فهي حقيقة على الأرض لا بد من التعامل معها، وأنها قد تغيرت.

كانت تلك برغماتية زائدة.

لم تعد موصومة بالإرهاب، وأنها قد تكون مفيدة فى الحرب الدائرة مع تنظيم "الدولة الإسلامية ــ داعش"، "الذي يكرهها بأكثر مما يكرهنا" بتعبير الرئيس الأميركي نفسه.

لم تكن الإدارة الأميركية وحدها من تبنت المقاربة الجديدة، حيث ذهب الاتحاد الأوروبي والصين وروسيا وأطراف دولية أخرى إلى ذات المنحى.

لم يكن ممكنا الاعتراف فوراً دون قيد أو شرط بحركة "طالبان"، أو تجاوز إرثها السياسي والأيديولوجي العنيف، أو اعتماد تعريف جديد لها كسلطة شرعية فى أفغانستان.

المجلس الأممى لحقوق الإنسان رصد "انتهاكات مروعة" في مناطق مختلفة من أفغانستان، ومظاهر التمييز ضد المرأة أعلنت عن نفسها بمنعها من العمل والدراسة والظهور على شاشات التلفزيون بذريعة حمايتها من مسلحيها القادمين من كهوف الجبال!

يكاد ينسف ذلك الكلام المراوغ أي رهان غربي على أي تصريحات منسوبة لبعض قيادات "طالبان" عن احترام حقوق المرأة "في إطار الشريعة والقانون".

لا حقوق الإنسان ولا حقوق المرأة ولا طبيعة نظام الحكم، تعلن إمارة إسلامية الآن أو يتأخر إعلانها بعض الوقت، تتسع الحكومة لمكونات المجتمع الأفغاني السياسية والعرقية لمنع أي اقتتال أهلي محتمل أو لا تتسع، ما يدخل جوهريا في أولويات السياسات الغربية إلا بقدر ما يمس مصالحها الاستراتيجية في ذلك البلد الجوهري وسط آسيا.

الأولوية شبه المطلقة: ضمان عدم استخدام الأراضي الأفغانية كمركز للجماعات الإرهابية، يستقطب ويدرب ويضرب حيث يقدر على الوصول.

هكذا فإن ما جرى من تفجير إرهابي مزدوج في محيط مطار كابول بدا بمشاهد الدماء وقدر الترويع وأعداد القتلى من مدنيين عزل وعسكريين ينتمون لـ"لمارينز" كصدمة ثانية مدوية تكاد تضاهي صدمة الهزيمة الاستراتيجية التي ضربت الولايات المتحدة بالطريقة التي سقطت بها كابول ومشاهد الفوضى في المطار طلباً للنجاة من قبضة "طالبان".

كان مثيراً أن الاستخبارات الغربية تلقت معلومات وصفت بأنها على درجة عالية من الموثوقية تتوقع ضربات إرهابية في محيط مطار كابول، دون أن تنجح القوات الأميركية في منعها أو التقليل من أعداد ضحاياها، ولا نجحت حركة "طالبان" بدورها في إثبات جدارتها الأمنية.

بأي قراءة سياسية لتوقيت ومغزى ذلك العمل الإرهابي، فإنه استهدف اصطياد القوات الأميركية في لحظة انسحاب وإجلاء دبلوماسيين ومتعاونين أفغان، كما استهدف بذات الوقت حركة "طالبان" في هيبتها وقدرتها على إحكام السيطرة الأمنية في لحظة استلام سلطة.

هكذا طرح "تنظيم الدولة الإسلامية" نفسه لاعباً رئيسياً في المعادلات الأفغانية المقبلة.

وهكذا وجد البيت الأبيض و"طالبان" نفسيهما في خندق واحد ضد عدو مشترك.

الأول، يراهن على حليف محلي في الحرب مع "تنظيم الدولة" دون أن يكون متأكداً من أنه ليس إرهابياً بدوره، أو أنه قطع صلاته مع "تنظيم القاعدة"، الذي وفر له ملاذاً آمناً قبل عمليات الحادى عشر من أيلول (2001)، التي استبقت احتلال أفغانستان.

من اللافت أن "تنظيم القاعدة" لم تصدر عنه أي بيانات، أو إشارات للتطورات الجارية في أفغانستان بوصول حليفه التاريخي إلى السلطة مجدداً.

ربما كان ذلك مقصوداً لعدم إحراج الحركة قبل أن تستقر في السلطة، وربما تكون العلاقات قد تدهورت بين الحليفين السابقين.

هناك من يخشى، وإرث التاريخ ماثل، أن تجد "القاعدة" أمامها فرصة كبيرة لإعادة بناء شبكتها بدعم من "طالبان"، التي قد تحتاج أدوارها في مواجهة "داعش" بذات قدر احتياجها للطائرات الأميركية في قصف تمركزات ذلك التنظيم!

هذه سريالية سياسية لا يمكن استبعادها في أوضاع الارتباك الحالية.

هناك فرضية أخرى أن الكتلة الأكبر من "القاعدة" انضمت إلى "تنظيم الدولة – إمارة خراسان" – كما جرى في العراق وسورية.

حسب ما هو متوافر من معلومات أولية فإن "تنظيم الدولة"، الذى أعلن مسؤوليته عن الهجوم الإرهابي المزدوج في محيط مطار كابول، أعداده تتراوح بين (1500) و(2200) مسلح، وأن كتلته الرئيسية من منشقي "القاعدة" و"طالبان".

نحن أمام ظاهرة واحدة تتعدد تجلياتها التنظيمية، كما حدث بالضبط فى سورية حين جرى الانشقاق على "القاعدة" بـ"تنظيم الدولة ــ داعش" وعلى الأخير بـ"جبهة النصرة"، التي أخذت تالياً اسم "هيئة تحرير الشام" لمقتضى تسويقها كقوة سياسية في المعادلات المقبلة بأي تسوية محتملة.

أمام تلك اللوحة من المتناقضات فإن هناك سؤالاً يطرح نفسه:

لمن تغلب الكفة داخل "طالبان"؟ للعناصر الأكثر تشدداً، الأقرب بالتكوين الأيديولوجي لـ"القاعدة" و"داعش"، أم للعناصر التي أبدت شيئاً من المرونة في الخطاب العام على شاشات الفضائيات دون أن يكون مؤكداً أن تغييراً جوهرياً قد حدث في بنيتها الأيديولوجية؟

هنا بالضبط أزمة "طالبان"، كما أزمة الرهان على دمجها وإعادة تعريفها من جديد.

من ناحية فإنها تحتاج إلى نوع من الاعتراف الدولي يساعدها في حلحلة الأزمات الاقتصادية والصحية المزمنة وتأكيد تمركزها في السلطة، ومن ناحية أخرى ليس بوسعها أي مقاربات جوهرية في ملفّي حقوق الإنسان والمرأة وإلا وجدت نفسها في منازعات داخلية قد تعصف بوحدتها.

"إن طالبان ستحاسب على أفعالها على صعيد مكافحة الإرهاب وحماية حقوق الإنسان وخصوصاً حقوق المرأة" – كان ذلك تعهداً من قمة الدول الصناعية السبع يصعب الوثوق فيه، كما خطاب "طالبان" المراوغ، في اختبار الزمن.

 

 

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز