لماذا تقطع إسرائيل شوارعنا بالحواجز

  • الجمعة 2021-07-02 - الساعة 12:14

كان أول من استخدم الحاجز للسيطرة والتفكيك هو المستعمر الإنكليزي في جنوب افريقيا في العام 1906، وقد استطاع بذلك أن يخضع قبائل تلك البلاد من خلال عمليات الخنق والفصل والتمييز بين القبائل. كان الحاجز أداة احتلالية ذات فعالية شديدة في إحكام السيطرة على الحركة والتواصل والاستفادة من الثروات وتراكمها. لعب الحاجز دوراً اساسياً في الاضعاف والافقار والارهاق.

أما اسرائيل، ومنذ قيامها حتى يومنا هذا، وهي تستخدم الحاجز لذات الاغراض تماماً، بمعنى السيطرة والاخضاع والتفكيك، وما يجر ذلك من آثار وارتدادات اجتماعية واقتصادية ونفسية على أفراد الشعب المحاصر.

الحاجز، باعتباره أداة استعمارية بالدرجة الاولى، فهو يعطي المستعمر ما يريد من امكانية الضبط والتحكم التام بحياة من هم وراء الحاجز، كما أن الحاجز يمنح المستعمر أفضلية العقاب والثواب، وتحديد نوعية الحياة وطريقتها. وبالتالي، فإن الحاجز يخلق واقعاً جديداً يتكيف بموجبه من هم وراءه بحيث يتحول الحاجز حقاً الى ما يشبه جرس المنبه، اغلاقاً أو فتحاً. ولهذا فإن الحاجز ليس مظهراً من مظاهر الاحتلال الناعم، بل هو من أكثر ادوات الاحتلال خشونة وقسوة ووحشية.

وتعريف الحاجز يختلف عن تعريف الحصار، فالحصار علاقة عداء كاملة، وهو وضع قد يطول أو يقصر ويهدف الى الاستسلام او الاحتلال او الاقتحام، والحصار علاقة باتجاه واحد، اي علاقة تتصف باستغلال قوة الارادة والصمود والتحدي، اما الحاجز فهو لا يتضمن كل ذلك، وانما هو وضع يهدف الى التطويع والتطبيع والهندسة والضبط، الحاجز علاقة شرطية تقوم على اسس المدرسة الروسية البافلوفية أو المدرسة السلوكية الامريكية التي ابتدعها واطسن و كريك، الحاجز يقيم او يؤسس لعلاقة قد تكون اعقد من المدرستين السابقتين و هو ما ندعيه في هذا المقال، فالحاجز و ان كان يستخدم فكرة العقاب و الثواب، الا ان رجع الصدى لهذا الشرط يفوق التوقعات، فالبشر اعقد من الفيزياء، والنفس البشرية لا تخضع لقوانين المختبر، وفي هذا المقال نطمح الى ان نقدم مداخلة أولية لسوسيولوجيا الحاجز العسكري. وهي رؤية تم فحصها بالتأكيد في العلوم الأمنية وسيكلوجيا الجماهير وعلم الاتصال الجماهيري. ونحن هنا نقوم بتجميع أو ابتداع اوجه قد تكون جديدة لتتحول هذه الظاهرة الى مجال للدرس والبحث الجاد، بالإشارة الى ان استخدام الحاجز العسكري أصبح شائعاً، خصوصاً في ظل العولمة التي تشهد انفجارات اثنية وعرقية ومذهبية، بحيث أصبح الحاجز العسكري ملمحاً أصيلاً في هذه الحروب، فللحاجز العسكري تعريفات متعددة واستعمالات مختلفة وأشكال متنوعة وأهداف قريبة وبعيدة وتأثيرات ذات مستويات مختلفة وطرق التعامل معه تفوق الخيال. وفي اراضينا المحتلة مثلاً، فإن الحاجز العسكري ابعد وأعمق من مجرد كونه يمنع الحركة أو يذل الناس أو يقطع الطرق او يمنع ميلاد الدولة أو يؤخر الاقتصاد أو يشل الحياة الاجتماعية، الحاجز العسكري عادة ما يقوم بالوظائف التالية:

أولاً: الحاجز العسكري يقوم عادة بهندسة حياة الناس اليومية، فهو يحدد ميعاد الخروج والدخول، ويحدد الأوقات ونوعية الحالات والظروف المقبولة والمرفوضة، وهذا يقود بمرور الوقت الى تطويع الجمهور تماماً بحيث يتحول الحاجز الى جزء أصيل من حياتهم، الأمر الذي يجعل من الحاجز نقطة الانطلاق ومرجعية الحياة ذاتها، ان ارتباط الحياة اليومية بالحاجز- بما فيه من حدة وصرامة ومزاجية وعنف واذلال- يجعل من هذه الحياة ذات طموحات قليلة وانجازات ضئيلة وتتصف عادة بالرغبة في عدم الاحتكاك بالحاجز قدر الامكان.

ثانياً: الحاجز العسكري عادة ما يقوم بعملية تطبيع للواقع، فهو- واعتماداً على ما ذكر في النقطة السابقة- يحصل على ردود افعال متوقعة من الجمهور الذي يتعامل معه، فالحاجز الذي يضع قوانين غير مفهومة ولا منطقية ولا انسانية لمن يدخل ولمن يخرج، يتحول في نظر الجمهور الضعيف الى ما يشبه القدر- بما يتصف من قوة وغموض-، وهذا يتحول بمرور الوقت الى قبول فكرة الحاجز ورفض الثورة عليه. الحاجز الذي عادة ما يستخدم الآلات والقضبان والزجاج والوجوه المغطاة والاسلحة المتعددة يعزز هذا المفهوم.

ثالثاً: الحاجز يقوم عادة بتغريب المكان عن اصحابه، فالحاجز لا يقوم فقط على فكرة الاقصاء والمنع والحجز، بل يقوم أيضاً على فكرة تحويل المكان الى مكان مخيف ومحرم، وان من يدخله يجب ان يحصل على تصريح خاص، ومع مرور الوقت، فإن الأماكن كلها تتحول الى امكنة غريبة ومحرمة، وهذا ما يفصل بين المواطنين ومكانهم، بحيث يفقدوا الرغبة في التعرف إليه، ويبدأون باحتقاره واحتقار ثرواته، فهي ليست لهم ولا يتمتعون بها، ان فكرة التغريب والتحريم هي فكرة عميقة ومؤثرة الى درجة التفكير بالهجرة أو ترك المكان كله. ان تغريب المكان وتحريمه فكرة استعمارية قديمة، وهي تستعمل لمسألة أخطر وأعمق، فالمحتل أو المستعمر عادة ما يقدم رواية جديدة للمكان المحرم، وهي رواية تقوم على مبدأ الأهلية والاستخدام، اي ان المستعمر أحق من أهل البلاد بأرضهم لكونه أكثر تقدماً ويمكنه استخدامها واستغلالها بشكل متفوق، وبالنسبة للاحتلال الاسرائيلي فإنه يضيف الى ذلك فكرة الملكية الإلهية التي يعتقد هذا المحتل انها لا يمكن إنكارها أو أنها من أقوى الوثائق التي يمكن ان تقدم أو تعرض لامتلاك المكان.

رابعاً: الحاجز وخصوصاً الدائم منها يطور مصالح جديدة للجمهور، اذ ان الحاجز يقسم الجغرافيا الى ما قبل الحاجز وما بعده، أو ما وراءه وما خلفه، ولأن الحاجز يقوم بعمليات انتقاء وتقصد وتصفيه، فإن الجمهور خلف الحاجز- بسبب من عدم القدرة على التواصل والتفاعل مع الآخرين- فإنهم وبمرور الوقت يطورون لأنفسهم مصالح مختلفة، ويضطرون الى ابتكار انماط جديدة للعيش والارتزاق والتعليم والزواج، وبهذا تنحصر مصالحهم وتضيق وتحدد من داخل مناطقهم. ان تطوير مصالح محلية يعني تحديات وأسئلة جديدة وردود جديدة، وهذا يقود الى النقطة التالية؛

خامساً: الحاجز يقوم عادة بتطوير هويات جديدة أو يؤسس لظهور هويات جديدة بسبب نشوء مصالح واهتمامات وتحديات مختلفة، وعادة ما لا يتم الحديث عن الهويات بوضوح بادئ الأمر، ولكن، ومع مرور الزمن، وبمساعدة من الحاجز وازدياد ضغط المصالح فإن الهوية الجديدة يتم التعبير عنها أولاً بالأوصاف ثم بالجغرافيا وأخيراً بإطلاق اسم جديد آخر. وهناك عندنا وفي العالم من حولنا أمثلة ناصعة على ذلك. وقد استطاع المحتل أن يفرق بين مكونات الشعب الفلسطيني من خلال الحواجز، فهناك خمس كتل فلسطينية هي فلسطينيو الداخل وفلسطينيو القطاع وفلسطينيو الضفة وفلسطينيو القدس وفلسطينيو الشتات. وعلى الرغم من مرجعية هؤلاء الواحدة روحياً وثقافياً ولكن الحاجز الفعلي يجعل من استجاباتهم مختلفة.

سادساً: الحاجز عادة ما يدفع الى الغرائزية، أي يدفع الجمهور الى التصرف بغرائزية عفوية أو غير عفوية، لأن الحاجز عنيف وظالم وخطر وقد يسبب الموت، فإن الجمهور في معظمه سيتصرف حسب قاعدة الهروب من الأذى والاقتراب من الأمن، ولهذا فإن سلوك الجمهور على الحواجز عادة ما يتسم بكثير من الغرائزية التي تتمظهر في الانتهازية والتذلل والتزلف والتنافس والفظاظة والعنف والتدافع، وعادة ما تغيب فكرة الجماعية أو التنظيم أو التنسيق أو التصرف الموحد، وهذا يقود الى النقطة التالية؛


سابعاً: عادة ما يدفع الحاجز الجمهور الى الشعور بالبهائمية، فعمليات التفتيش المذلة وابقائه تحت الشمس أو المطر أو الازدحام والنظر إليه من بعد واستخدام الأسلحة لإرهابه واستخدام القفازات حتى لا تتم الملامسة الشخصية واجباره على مسارات محددة من الاسمنت أو الحديد، كل ذلك يدفع الى فكرة القطيع الذي يجب ان يتم التخلص منه أو حصره أو تجميعيه أو اطلاقه، وعادة ما تفتقر الحواجز الى الحمامات أو أية خدمات بشرية تخص الجمهور، الأمر الذي يعزز هذه الفكرة، هذا فضلاً عن الكلام المبتذل والنابي والبذيء الذي قد يستخدم من قبل من يدير الحاجز.

ثامناً: الحاجز عادة ما يقوم بعمليات ضبط اجتماعي خارق، فهو أولاً يميل الى ادخال او اخراج المريض والضعيف والعاجز ويمنع الأقوياء، وهو يسمح بمرور بعض الفئات الذين يحملون تراخيص خاصة ويمنع البقية، بحيث يقوم الحاجز فعلياً بتصنيف الجمهور الى فئات متعددة، متعاونة، أقل تعاوناً، أكثر تعاوناً، أو مطلوبة لأمن المحتل، وهكذا، الأمر الذي يجعل من الحاجز مكاناً للتفريق والتمييز وبالتالي يصنف الجمهور الذي يرى في ذلك تمزيقاً لوحدته أو تهميشاً لفكرة الوحدة والهدف الواحد.

تاسعاً: الحاجز يقوم على أساس من الاستعلاء بين من يملك القوة ومن لا يملكها، وهو يمارس هذه القوة بشكل لا منطقي ولا عقلاني، ولأنه قادر على القتل، فإن الحاجز يقدم عملياً القوة العمياء بأجلى صورها، ومع مرور الوقت، فإن هذا الاستعلاء يتحول في وجدان الجمهور الى عقدة دونية حقيقية، اذ يرى الجمهور نفسه يستحق هذه المعاملة ويعتبرها جزءاً من عقابه الذي يعتقد أنه يستحقه. إذا اضيفت الى هذه النقطة الى ما ذكر سابقاً، فإن الجمهور عادة ما يعبر عن ذلك بقوله "اننا نستحق ما نحن عليه". الحاجز لهذا السبب يعزز فكرة الدونية لدى الجمهور.

عاشراً: الحاجز العسكري لا يهدف الى فرض الأمن اطلاقاً، اذ ليس من المنطق أن يقوم فردٌ أو عدة أفراد بتجاوز الحاجز أو التفكير بتجاوزه وهم يحملون ما هو غير شرعي أو قانوني بنظر من يدير الحاجز، ولأن الحاجز ليس من وظيفته فرض الأمن، فإن الحاجز يهدف الى فرض واقع جديد من ملامحه تجريد الجمهور من الاحساس بالأمان أو الحياة الطبيعية أو امتلاك المكان أو التحكم بالوقت أو التمتع بالأرض أو الاحساس بأية لحظة أنه يمتلك شارعه او مدينته أو جبله أو سهله أو حتى بيته. هذا الواقع الجديد يدفع الجمهور بمرور الوقت الا الاستسلام والتهاون والتراخي والبحث عن التأقلم مع واقع جديد، ضيق ومتواضع وبائس، ولهذا تقل الخيارات وتنطفئ المبادرات. الحاجز يهدف أولاً الى فرض واقع جديد، مفاجئ واستثنائي، ويحفل بالمتغيرات، وهذا يقود الى النقطة التالية؛

حادي عشر: الحاجز اذن في نهاية الأمر هو سياسة عدوانية مئة بالمئة، لأنه يقوم بعمليات تمييز بين من يدير الحاجز والجمهور الذي وضع الحاجز من أجله أولاً، ويقوم بتفتيت هذا الجمهور ثانياً، ويقوم بتفكيك الجغرافيا ثالثاً، ويقوم بتفكيك المستقبل رابعاً، والحاجز ببساطة يستطيع تجويع الجمهور ومنعه من التواصل والتناسل والتكامل والتفاعل، ولهذا كله، فالحاجز عملياً يحجز الجمهور عن مستقبله، اي يستطيع الحاجز ان يمنع قيام دولة، ويستطيع ان يقف حائلاً أمام ميلاد هوية موحدة لشعب كامل، ويستطيع ان يحول كل جغرافيا الى عديد من الجغرافيات.

ثاني عشر: الحاجز سياسة عنصرية أيضاً لأنه يقوم على فكرة الاقصاء، اقصاء الجمهور عن بعضه البعض، واقصائه عن مكانه، واقصائه عن الاخرين، كما يقوم الحاجز أيضاً بإقصاء أفراده عن التواصل مع المكان أو مع أصحابه، اذ ان الحاجز ومن يديره يعتقد ان امتلاك المكان يعني انتهاكه وليس التشارك معه وفيه، كما يعتقد أنه هو الاحق بالحركة من الجمهور الذي يحكمه، أي ان تحديد حركة الجمهور وضبطها ومراقبتها وتحويلها الى مصيدة وفخ ومكان للثواب والعقاب وطريقة للعيش انما يعني ان هناك شعباً افضل من شعب وثقافة أفضل من ثقافة ودماً افضل من دم. وهذا هو الحاجز بأبشع الصور.

وبتطبيق هذا على ما نحن فيه، فإنني ادعو ذوي العلاقة- سياسيين وحقوقيين وجمهور- الى تحويل الحواجز الى أولوية تضاف الى أولويات كثيرة على الفلسطينيين ان يتحملوها ويحملوها.

ان سوسيولوجيا الحواجز- وكما مورست في العالم وعندنا كذلك- تقتضي منا ان نعرف وأن نؤصل وأن ندرس، لأن المعرفة هي الحرية.

النقطة الأخيرة الواجب ذكرها هنا، أن المحتل ورغم كل ذكائه وتقدم أدواته، إلا أن الحاجز بما يرمز اليه وبما يحمل من دلالات، وفي لحظة ما، لها شروطها وظروفها، يتحول هذا الحاجز بالذات إلى أحد أهم أسباب الثورة عليه. وهو منطق يغيب عادةً عن كل من استخدم الحاجز أو يحاول تجميله أو توسيعه أو حاول الترويج له بالأكاذيب والأباطيل التي لا تنطلي على أحد.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز