موسم الخريجين ومخرجات التعليم وسوق العمل

  • الجمعة 2021-07-02 - الساعة 12:08
بقلم: د.عقل أبو قرع

يبتهج عشرات الالاف من الخريجين هذه الايام بمغادرة مقاعد الدراسة والانتهاء من حياة الجامعة أو الكلية والانطلاق الى واقع الحياة، حيث بدأت مؤسسات التعليم العالي الفلسطيني هذه الايام، احتفالات التخرج من حملة الشهادات المختلفة وفي مختلف التخصصات، وبالطبع فإن من حق الخريجين أن يفرحوا بعد الانتهاء من التعب ومن المعاناة من كل الانواع.
ولكن ومع الانتهاء من زخم الاحتفال، يبدأ الخريجون بارسال الطلبات الى المؤسسات والشركات والدوائر وحتى الوزارات المختلفة، بحثا عن فرصة عمل، وذلك لترجمة ما تم الاستثمار فيهم، الى سوق العمل، ذلك السوق المقيد والجامد والخامل، في ظل اقتصاد مقيد وضعيف النمو ويعتمد على الاخرين، وبعد فترة من البحث يكتشف الخريجون، ما هي الامكانيات والفرص وطبيعة احتياجات السوق وشحة امكانياته، ويبدأوا يلمسون ويتعايشون مع البطالة ومع نسب البطالة المرتفعة والتي ترتفع في بلادنا.  

حيث تشير الارقام التي تم نشرها حديثا ، ان نسبة البطالة الحالية في فلسطين تبلغ حوالي 26 %، اما عند فئة الشباب بالتحديد، فقد تصل نسبة البطالة الى حوالي 41%، وحسب الارقام او المعطيات، فإنه وللحفاظ على النسبة الحالية من البطالة، فأننا نحتاج الى استحداث أو فتح  حوالي 650 الف وظيفة خلال العشر سنوات القادمة، اي بمعدل حوالي 65 الف فرصة عمل سنويا.

ونحتاج كذلك الى نمو اقتصادي سنوي يقدر بحوالي 8% من الناتج المحلي الاجمالي، وكذلك فاذا أستمر التصاعد الحالي في نسبة البطالة بنفس الوتيرة، فإننا قد نصل الى أكثر من مليون فلسطيني عاطل عن العمل بحلول عام 2030، وفي نفس المنوال ومن اجل انقاص البطالة في بلادنا الى نسبة ال 10%، فأننا نحتاج الى خلق أكثر من مليون فرصة عمل منذ الان وحتى حلول عام 2030

ومعروف أن أحد الاهداف ألرئيسية لمؤسسات التعليم العالي في العالم ومن ضمنها بلادنا، من ألمفترض أن يكون المساهمة في سد حاجة ألمجتمع وتغطية النواقص المختلفة، من خلال رفد القطاعات المختلفة، من قطاع عام وقطاع خاص وشركات ومؤسسات بالايادي المتعلمة أو المدربة، من أجل البناء والتنمية والتقدم، وبالتالي من ألمفترض أن تتداخل فلسفة واهداف التعليم العالي مع حاجات المجتمع من خلال قطاعاته المختلفة، ويقوم المجتمع بدعم التعليم العالي ويقوم التعليم العالي برفد المجتمع بما يحتاجه من الايادي المدربة المتعلمة، والتي من الممكن ان تكتسب مهارات الادارة والقيادة.

وبدون شك ان مؤسسات التعليم العالي الفلسطيني، بمستوى شهاداتها المختلفة، من دبلوم وبكالوريوس وماجستير وفي بعض التخصصات الدكتوراة، وبالتخصصات المتشعبة التي تحويها، من علم الاجتماع الى الهندسة والصيدلة والطب والعلوم والأداب وحتى التربية، والتي نجدها مكررة في معظم الجامعات الفلسطينية، هي الجهة الرئيسية التي تتحمل المسؤولية عن تردي وانحدار هكذا وضع، من حيث ضعف التخطيط والارشاد وعدم التركيز كأولوية على النوعية أو على مصلحة الطالب من خلال ربطها بحاجات المجتمع.

حيث بات يعي الجميع أن الوضع الحالي للجامعات يهدف بالأساس لاستقطاب المزيد من الطلبة وبالتالي المزيد من الدخل أو الرسوم الذي يصاحب ذلك، واصبح التركيز اكثر على كيفية حل الازمة المالية التي تعاني منها الجامعات، عن طريق قبول المزيد من الطلبة وبالتالي المزيد من الاقساط، وتم تناسي ان نسبة البطالة عند خريجي العديد من التخصصات تزيد عن 50% وربما تصل الى حوالي ال 80%، وان هذه النسبة تزداد مع الزمن، وتزداد معها مضاعفات عدم ايجاد عمل، سوء اكانت مضاعفات اجتماعية او اقتصادية أو نفسيه وغيرهما.
وفي خضم اصطفاف عشرات الآلاف من الخريجين من مؤسسات التعليم ألعالي، فأن من الاخطاء التي ما زلنا نرتكبها، هي النظرة غير الموضوعية الى التعليم المهني او الى التعليم التقني، او الى التعليم غير الجامعي التقليدي او الكلاسيكي، والذي هو من المفترض وفي الوقت الحالي ان يكون أهم واكثر فعالية من التعليم الجامعي التقليدي في بلادنا.

والذي تستثمر فيه الدول المتقدمة الجزء الاكبر من الطاقات والاموال، والذي يقبل عليه الكثير في هذه الدول، والذي يجد خريجيه الفرص ويساهموا في تطوير المجتمع وسد حاجات البلد،  ورغم الحديث المتواصل عن اهمية التعليم المهني،  الا ان القليل قد تم عملة من اجل تشجيع الاقبال على هذا التعليم او خلق الفرص والامكانيات، او من خلال تغيير نظرة الناس الية،  من اجل تشجيع الطلبة للتوجه نحوه، ومن ثم ربطة، سواء من حيث الكم او من حيث النوع  مع احتياجات المجتمع.

ومع تواصل تدفق الالاف من الخريجين في تخصصات لا نحتاجها، وبالتالي انضمامهم الى أفواج البطالة، فأن هذا يدل وبدون شك على عمق ألفشل وعلى كل المستويات في ربط الاستثمار في التعليم بأنواعه المختلفة، وبالأخص التعليم ألعالي، مع متطلبات سوق العمل، وبمعنى اخر هذا يعني خسارة الاستثمار من وقت ومن اموال ومن تعب ومن جهد.

وحسب الارقام المتوفرة، فان نسبة كبيرة  من الخريجين وبالتالي من العاطلين عن العمل، هم من النساء الفلسطينيات، وهذا يوضح عمق المأساة التي تعيشها المرأة الفلسطينية المتعلمة، مع العلم ان نسبة ألطالبات الخريجات في معظم الجامعات الفلسطينية تتجاوز ال 65%، ولكن نسبة مشاركة المرأة في سوق العمل في بلادنا، ما زالت لا تتعدى نسبة ال 15% فقط، ولا أدري كم تبلغ هذه النسبة عند ألخريجات من مؤسسات التعليم ألعالي فقط.

وحسب احدى الاستطلاعات لجهاز الاحصاء المركزي الفلسطيني، ارتفعت نسبة البطالة عند خريجي المعاهد والكليات والجامعات الفلسطينية الشباب، من حوالي 42% في عام 2007 الى حوالي 56% في عام 2017، وتصل نسبة البطالة عند خريجي بعض التخصصات الى حوالي 70%، أي ان حوالي 700 خريج من هذه التخصصات من مجموع 1000 خريج لا يجدون عملا، وبالاضافة الى ذلك اشار جهاز الاحصاء الى أن حوالي 30% من الشباب يعيشون تحت خط الفقر المتعارف عليه، وهذه الارقام وغيرها هي أرقام مقلقه بكل المقاييس.  
حيث بات من الاوضاع المؤلمة والمحبطة وبالاخص الى الخريجين المتحمسين للعمل، والذين نشاهدهم بعشرات الالاف هذه الايام، هو عدم ايجاد فرصه للعمل، سواء في القطاع الخاص وهو القطاع الواعد والذي يعول عليه في بلادنا وفي الكثير من بلدان العالم، أو في القطاع العام المثقل والخامل والراكد، الذي لا يستوعب من الموظفين الجدد الا بقدر ما يغادره من موظفين سواء بسبب التقاعد أو غير ذلك من الاسباب، وفي ظل اقتصاد محدود ومقيد وتتلاعب فيه وفي امكانية ومستوى نموه، الكثير من مصالح الاطراف الدولية والاقليمية وحتى المحلية، تتعمق مأساة الخريين وفشل الجهات الرسمية.

وحتى في ظل حالة عدم الاستقرار والخوف عند رأس المال الخاص، والذي فقط يعمل وكما تشير ارقام الهيئات المختصة، على تكديس المليارات في البنوك بدلا من استثمارها وخلق فرص للعمل،  املا بأن تتغير الاوضاع ليتم ضخها الى الاسواق، في ظل كل ذلك اليس من الاجدر اتخاذ مبادرة أو مبادرات على الصعيد الوطني من أجل انشاء مظلة حاضنة وبعقل اداري عصري يتلاءم مع الاحتياجات المحلية والعالمية، لإقامة مشاريع صغيرة انتاجية مستدامة، سواء لشخص أو لمجموعه من الاشخاص، وقادرة على ابعاد شبح وتداعيات البطالة أو عدم العمل ، من كافة النواحي، سواء اكانت النواحي الاقتصادية والاجتماعية أو حتى الاثار النفسية.     

حيث ان هناك العديد من المؤسسات، ومن ضمنها الدولية والاقليمية، تقوم بالعمل على محاربة أو الحد من البطالة، من خلال دعم تطبيق فلسفة " المشاريع الصغيرة الانتاجية المستدامة"، اي المشاريع التي لا تنتهي مع نضوب الدعم او المنح، بل تستمر من خلال ناتجها الذاتي، وبل تنمو وتكبر وتتوسع، سواء من ناحية الكمية، او النوعية اي تتفرع الى اعمال اخرى، قد يكون لها علاقة ما بالعمل الاصلي او قد لا يكون.

واستراتيجية الدعم هذه، يمكن ان تتم من خلال الدعم المادي المباشر، أو من خلال التدريب، أو من خلال دراسات الجدوى، أو من خلال المساعدة في التخطيط والتقييم، أو من خلال كل هذه الاعمال معا، وهذه الاستراتيجية هي ما نحتاجه في بلادنا، اما لمحاربة الفقر، او للحد من البطالة، ومن المعروف انهما مترابطان. 

وفي دول عديدة في العالم، وبالاضافة الى الاموال او الجهود المخصصة لمشاريع الحد من الفقر والبطالة، هناك صناديق استثمارية، سواء من اموال القطاع العام أو اموال القطاع الخاص، حيث تبحث هذه الصناديق عن الافكار والاشخاص المبدعين او المحتاجين وتجذبها ، وتوفر لهم الاموال اللازمة والبيئة الملائمة للنجاح واكثر من ذلك, وبالطبع هناك الحوافز التي يجب ان توفرها الجهات الرسمية، سواء اكانت تتعلق بالبنية التحتية او الضرائب او التسهيلات اللوجستية والمالية من اجل البدء بمشاريع الريادة، ولا داعي للذكر ان مشاريع الريادة هي بشكل عام مشاريع  تتسم بالمغامرة .

ومع تواصل ارتفاع نسب البطالة عند الشباب الخريجين، يتواصل تدفق الالاف من الخريجين الى سوق العمل الذي لا يوجد فيه عمل،  وبالتالي علينا ان نهتم اكثر بالكفاءات البشرية التي تبحث عن فرصة للبدء بمشروع، وان نقدم لها التسهيلات،  بدءا من المكان والبنية التحتية ، وكذلك تخصيص الصناديق لذلك، ليس فقط للبدء بالمشروع ولكن كإحدى الضمانات في حال الفشل، ولا يعني هذا ان الدعم والتشجيع يقع على الحكومة فقط، ولكن هناك دور هام للقطاع الخاص الفلسطيني، ولمؤسسات الدعم العامة، في رعاية ودعم وتشجيع الابداع والابتكار والريادة،  والاهم اعتبار المشاريع الريادية الانتاجية الصغيرة، وبغض النظر عن حجمها او اهميتها احدى الركائز الهامة لمكافحة البطالة وتداعياتها،  سواء اكان خلال المدى القصير او الطويل، وسواء اكان ذلك للخريج الحالي أو لغيرهم من الخريجين الذين يحملون شهادات من شتى الانواع والدرجات.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز