عريضة المثقفين وسؤال التغيير

  • الثلاثاء 2021-06-08 - الساعة 09:20
بقلم: مهند عبد الحميد

قد لا يختلف كثيرون حول جمود وترهل المؤسسة الفلسطينية الرسمية (م. ت. ف) التي لم تشهد إصلاحا منذ نشأتها وبقيت على حالها رغم التحولات الكبيرة التي شهدتها الخرائط السياسية والاجتماعية والتنظيمية في المجتمع الفلسطيني، ورغم الثورة الرقمية والمعرفية التي أكسبت أجيالا فلسطينية جديدة مهارات تفكير وعمل بايقاعات حديثة، ورغم دخول كفاءات فكرية وثقافية وأكاديمية في المؤسسة ومن خلال مركز الأبحاث الفلسطيني في بيروت.

إلا أن النخبة السياسية المكونة من الفصائل والتنظيمات تحولت إلى نخبة مستدامة استناداً لنظام المحاصصة (الكوتا).

وجاء بناء أول سلطة على الأرض الفلسطينية متماثلا إلى حد كبير مع الأصل (المنظمة)، ومستعيراً من السلطات العربية أنظمتها وقوانينها البائسة، ما أضفى مستوى من التشوه على البنية المؤسساتية الجديدة.

ولا يختلف كثيرون حول أهمية الإصلاح والتجديد والتغيير للأحسن ما استطاعت قوى التغيير إلى ذلك سبيلا، وكل يوم يمر دون حل ديمقراطي للأزمة، ودون تقدم يضعف عملية التحرر من الاحتلال، ويضعف عملية التحرر الاجتماعي الذي لا ينفصل عنه، ويعطل البناء والتطوير.

وقد لا يختلف كثيرون على الحاجة الماسة للتغيير الديمقراطي وللإصلاح السياسي والمؤسساتي.

ثمة علاقة بين الإصلاح والتجديد والتغيير الديمقراطي المنشود في فلسطين، وبين المنتج الفكري (فكر وثقافة التغيير الديمقراطي)، وبين الحامل السياسي الاجتماعي الذي يترجم التغيير.

فللتغيير قواعد ومعايير لا يمكن تجاهلها. ومن المفيد هنا طرح سؤال ما هو مستوى المنتج الفكري الفلسطيني، وهل يصل إلى القوى التي لها مصلحة أكيدة في التغيير الديمقراطي ؟

بحسب الباحث يزيد صايغ كان المنتج الفكري الفلسطيني متواضعا ولا يتناسب مع الحالة الثورية الفلسطينية إبان مرحلة الصعود، يكفي القول إن الفكر الديني الذي يتبع المدرسة المتزمتة تغلغل وانتشر وترك بصماته داخل المجتمع الفلسطيني دون مقاومة المثقفين والمفكرين الفلسطينيين له ولثقافة التفكير والتحريم باستثناءات لم تترك أثرا، في الوقت الذي قام فيه مفكرون ومصلحون دينيون بمراجعات وصوبوا مواقف وأحدثوا نوعا من التغيير لمصلحة العقلانية والعلمانية في مصر وتونس والجزائر ولبنان والمغرب والبحرين، وتخلف مفكرو فلسطين عن مراجعة الآثار التدميرية للتعصب الديني، وبقيت ثقافة التزمت هي السائدة في الخطاب الديني وفي مناهج وسياسات التعليم وفي الخطاب المجتمعي والإعلامي.

ففي فلسطين أعلنت الحرب على اتفاقية سيداو لإزالة التمييز ضد النساء (نصف المجتمع) وأعلنت الحرب على مشروع قانون حماية الأسرة.

المثقف النقدي الذي ينشد التغيير يقدم ثقافة الأمل، ويستكشف عناصر القوة التي تحدث فرقا معنويا، ويدخل إلى ساحة الفعل والتغيير، ويُخضع السلطة المهيمنة للمساءلة، ويدعو إلى محاسبتها.

إذا انتقلنا إلى الجانب التطبيقي لدور المثقف من خلال العريضة الموقعة من ألفين وخمسمائة مثقف وأكاديمي «والتي طالبت باستقالة الرئيس محمود عباس أو إقالته الفورية من مناصبه القيادية الثلاثة (سلطة ومنظمة وحركة فتح) ونزع ما تبقى من شرعية عنه».

العريضة من أولها إلى آخرها تتركز حول الرئيس، وهي بهذا تجانب الموضوعية التي ينادي بها المثقف.

المشكلة والأزمة تشمل المستوى السياسي ونظامه، تطال السلطة والمنظمة وتنظيماتها وتطال سلطة غزة التي لم تأتِ العريضة على ذكرها من قريب أو بعيد.

كان المنتفضون في ميادين التحرير والساحات ومراكز المدن يرفعون ويرددون شعار «الشعب يريد إسقاط النظام» كشعار مركزي وكانوا يطالبون برحيل الرئيس كشعار أقل أهمية.

وقد قدمت أنظمة تونس ومصر والسودان رؤساءها كبش فداء لها، من أجل بقائها في الحكم وقالت الإدارة الأميركية إن الشعب الفلسطيني يستحق قائدا أهم من عرفات بعد أن رفض صفقة كامب ديفيد 2000 وقد أصبح غير ذي صلة وغيبوه بالاغتيال الصامت.

هل يريد المثقفون الموقعون على العريضة بقاء النظام الفلسطيني وتغيير رأسه فقط، وتكرار ما حدث مع الرؤساء المذكورين؟.

يقول د. خالد الحروب في رده على المخالفين للعريضة إن اقالة الرئيس نقطة بداية. وفي البلدان الأربعة قالوا إن إسقاط الرؤساء هي البداية، وكانت فعلا بداية ونهاية المنتفضين.

والعريضة التي حددت نقطة البداية لم تشر إلى النقاط الأخرى، ومن حق القراء والموقعين على العريضة أن يعرفوا ما بعد نقطة البداية.

أن يتعرفوا إلى برنامج التغيير بوضوح، أن يعرفوا كيف سيقال الرئيس ومن سيقيله إذا لم يستقل استجابة منه للموقعين على العريضة.

كان رد الحروب مقتضبا عندما قال: التنحي أو الإقالة تعني إزاحة عقبة كبيرة أمام بدايات الخروج من المأزق.

وهنا بقي الغموض سيد الكلام والذي يحتمل أكثر من تفسير. تفسير عقبة كبيرة وفي الشرح تبدو أحيانا وحيدة وأحيانا أخرى تتوزع على مرحلة أوسلو، وتضيف العريضة مرحلة أوسلو في إسقاط حق العودة، وتكبيل المشروع الوطني، والانقسام وانتشار الفساد ومضاعفة الاستيطان والتهويد والأسرلة وتحقيق إسرائيل اختراقات إسرائيلية عديدة في المحيط العربي.

هنا تغيب الموضوعية والدقة وتستبدل بشيطنة الآخر. فإذا ما حاول أي مُوَقِع أو قارئ لعريضة المثقفين، مراجعة الخطابات والتقارير الرسمية التي تتحدث صراحة عن حق العودة وتطبيق قرار 194، وإذا ما تمت العودة للوثائق وللصحافة الإسرائيلية سيجد تحالفات وعلاقات حميمة تاريخية بين الدول الخليجية باستثناء الكويت وإسرائيل، علاقات خففتها العريضة إلى «اختراقات إسرائيلية عديدة في المحيط العربي»! ونسبتها إلى أوسلو، معفية الدول التي انفردت مع الولايات المتحدة في مكافأة دولة الاحتلال اقتصاديا وأمنيا وسياسيا، وفي تبني روايتها السياسية والدينية من قبل بعض المسؤولين والإعلاميين الخليجيين.

الشيء نفسه ينطبق على الانقسام الذي يتم تحميل مسؤوليته لطرف واحد، وفي الوقت نفسه تسقط المسؤولية عن حركة حماس والإخوان المسلمين، الذين رفضوا دخول المنظمة وهي ثورية ورفضوا الشراكة في قيادة الانتفاضة الأولى قبل أوسلو ونفذوا انقلابا عسكريا في العام 2007، أقل ما يقال إنهم يتحملون نصف المسؤولية عن الانقسام.

ما أود قوله. هناك فرق بين تغيير جدي في بنية السلطة والمنظمة، عبر سلسلة من المعارك من تحت، تشمل تطوير القضاء والتعليم والضمان الاجتماعي ومنظومة القوانين واستبدال الاقتصاد الريعي بتطوير الموارد من داخل المجتمع والعمل على صندوق قومي كهيئة مستقلة، واتحادات شعبية مستقلة ومؤتمر دائم للاجئين، وتطوير مؤسسات المنظمة، وتغيير السفراء، والالتزام بانتخابات دورية ومقاطعة إسرائيل والخروج من مسار أوسلو والدفاع عن الأرض في مواجهة الاستيطان وصد التطهير العرقي.

لحسن الحظ هناك مبادرات تنمو على الأرض في عدد لا بأس به من العناوين السابقة. التغيير الذي يصب في مصلحة الشعب داخل وخارج الوطن هو التغيير المطلوب وعندما يتعرض التغيير للصد والقمع نتحدث عن إزالة العقبة الأكبر والأقل والأصغر.

المطلوب من المثقفين والأكاديميين قدح عقولهم وتقديم أفكارهم والانخراط في تغيير على الأرض. وللحديث بقية.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز