راحت سياسة «الخبطات» وجاءت سياسة «الخطوات»!

  • الثلاثاء 2021-06-08 - الساعة 09:18
بقلم: حسن البطل

نعرف أن يوليوس قيصر كبير قياصرة روما الفاتحين، وعبارته الشهيرة: «حتى أنت يا بروتوس» دخلت التاريخ عن الخيانة والغدر. ماذا لو لم يكن يوليوس قيصراً فاتحاً؟ ربما كان صاحب أقصر خطاب نصر شاعراً بعبارته: veni vidi vici أي: ذهبتُ. رأيتُ. انتصرتُ.

كان لفاتح آخر، لعلّه كسرى إمبراطورية فارس، وحروبها مع بيزنطة عبارة أخرى عن النصر المرّ: نصر آخر كهذا.. وانتهت!

كان لمؤسس دولة إسرائيل، دافيد بن غوريون عبارة من ثلاث كلمات: أميركا. أميركا. أميركا، عندما سئل عن الدولة الأهمّ في علاقات إسرائيل الدولية، وهذا قبل حرب الأيام الستة، ذات النصر الإسرائيلي الخرافي، وقبل معاهدة سلام مصرية ـ إسرائيلية في «كامب ديفيد» واقتراح جورج بوش ـ الابن «حل الدولتين» بعد الانتفاضة الثانية. وصلت العلاقات الإسرائيلية ـ الأميركية ذروتها مع إدارة ترامب، وتصادف ذلك مع حكومة نتنياهو.

سياسة «الخبطات» الأميركية في حلّ جائر للصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، كما السياسة الدولية لأميركا، انتهت بهزيمة ترامب، وتلتها سياسة «الخطوات» في الموضوع الفلسطيني، والإيراني .. وبقية القضايا الدولية.

لا مقارنة بين سياسة آخر وزير خارجية جمهوري فظّ، مايك بومبيو، وسياسة أوّل وزير خارجية ديمقراطي المرنة، أنتوني بلينكن، لا في المسألة الفلسطينية، ولا في المسألة الإيرانية، أو سياسة الإدارة الجديدة الداخلية.

في بحر أسبوع أو أسبوعين، ستنتهي مفاوضات فيينا الجديدة على الأغلب إلى اتفاق دولي معدّل حول الملف النووي الإيراني، وقد تجتاز حكومة «التغيير» العجيبة في إسرائيل امتحان الثقة البرلمانية الصعبة، أو تذهب إسرائيل الى جولة اقتراع خامسة خلال عامين.

عادت إدارة بايدن إلى «حل الدولتين»، لأسباب أعمق من جولة رابعة في الحروب الإسرائيلية ـ الغزّية، فقد كان تمثيل غير البيض في الكونغرس 1% لا غير في العام 1945، ثم ارتفع قبل عقدين إلى 11%.. وأما، الآن، فوصل إلى 23%.. والحبل على الجرّار كما يُقال!

إلى ذلك، هناك تغيير في الحزب الديمقراطي في النظر إلى الموقف من الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي بين قيادة الحزب، كما يمثلها المحافظ العجوز بايدن، وقاعدته الشابة بتأثير تيار بيرني ساندرز، السيناتور «الاشتراكي» اليهودي العجوز، حيث يرى 53% من الشباب، أن «حل الدولتين» يجب أن يعني دولة فلسطينية، وأن الديمقراطية اليهودية الإسرائيلية، ليست ديمقراطية ليبرالية، كما هو الحال في أميركا.

بعد خسارته، يحاول الرئيس ترامب، إنشاء حزب جمهوري جديد أكثر يمينية واقتراباً من الإنجيليين البيض الأميركيين العنصريين، وهم الأكثر انحيازاً لليمين الإسرائيلي الديني حتى من الأميركيين اليهود، الذين يصوتون عادةً للحزب الديمقراطي.

في المقابل، فإن الحزب الديمقراطي، قد ينشق على نفسه لصالح تيار الشباب، بقيادة ساندرز، الذي يرى أن معاملة إسرائيل للفلسطينيين فيها وفي الأراضي المحتلة، تشبه معاملة التمييز إزاء الأميركيين السود والأفارقة. حقوق الإنسان أولاً، ثم حقوق الشعوب ثانياً.

يقترح كاتب العمود الشهير، توماس فريدمان، في الـ»نيويورك تايمز» خطوات على إدارة بايدن، قبل أن يصبح إنقاذ «حل الدولتين» مستحيلاً. أولاً، على إدارة بايدن سرعة إعادة فتح القنصلية الأميركية في القدس الشرقية، ثم فتح قنصلية أميركية في رام الله، للتعامل مع السلطة الفلسطينية كقيادة مستقبلية للدولة الفلسطينية، وإرسال ممثل فلسطيني إلى واشنطن يكون كسفير محتمل للدولة الفلسطينية المستقبلية.

هذا السيناريو ليس ممكناً ـ كما يقول ـ إذا بقي نتنياهو رئيساً للحكومة الإسرائيلية، الذي يدفع الأمور إلى «حل الدولة الواحدة» العنصرية اليهودية، وأيضاً قيادة فلسطينية جديدة تخلف رئيس السلطة الحالي، الذي يصر على أن «حل الدولتين» يعني دولة فلسطينية مستقلة على حدود العام 1967، والقدس عاصمة دولتين.

في إسرائيل، تمّ الأمر عن طريق حكومة تخلو، للمرة الأولى، من الأحزاب الدينية، لكنها أول حكومة يشارك فيها 11 من قادة الأمن السابقين، وتشكل ائتلافاً هشّاً بين 8 أحزاب يمينية قومية، ووسطية، وحتى يسارية، بما يشكل ما يشبه انقلاب العام 1977 الذي جاء بزعيم «الليكود» مناحيم بيغن.

يُقال، إن اليمين القومي في إسرائيل وحده يمكن أن يقيم معاهدة سلام مع دولة عربية، لكن اليسار لا يستطيع لمعارضة اليمن القومي والديني.

وافق بيغن على الانسحاب من سيناء من أجل ديمومة السيطرة على الضفة الغربية، وغير موشي دايان شعاره: شرم الشيخ بلا سلام أفضل من سلام بلا شرم الشيخ.

لإنقاذ إسرائيل من خطر دولة واحدة للفصل العنصري، وإنقاذ الحزب الديمقراطي من الانشقاق، هل يستطيع رئيس حكومة التغيير، نفتالي بينيت زعيم حزب «يمينا» أن يقبل «حل الدولتين»، وأن وزير الجيش في حكومة التغيير دور دايان في الانسحاب من الضفة الغربية، أو معظمها. هذا سؤال كبير!

إن تمت العودة إلى الاتفاق النووي مع إيران، لا تعود أذرع إيران تشكل تهديداً لإسرائيل، خاصة من جهة ترسانة صواريخ «حزب الله»، علماً أن المظلة النووية الأميركية تشكل حماية لإسرائيل، أكثر نجاعةً من دفاع صاروخي إسرائيلي ثلاثي الطبقات، وأكثر من جدار بحري ثلاثي الطبقات مع غزة، أو جدار أرضي ثلاثي الطبقات، أيضاً.

ثمة ملاحظة غير عابرة، وهي أن إدارة بايدن ألغت مفهوم اتفاقات أبراهام من الاستعمال، وعادت إلى مفهوم تطبيع العلاقات العربية ـ الإسرائيلية.

تم السلام المصري ـ الإسرائيلي خطوة ـ خطوة، لكن فشلت سياسة فرض الاستسلام خبطة ـ خبطة التي اتبعها ترامب.. وبدأت أميركا سياسة «حل الدولتين» خطوة ـ خطوة.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز